مدينة النعام
#######
ما استحضرتك إلا لتكنس الرماد من عقلي ، ولا تخشى الوحل ، ولك العهد ، طفلان شقيان على ثدي مهترئ ، أدى الفرائض واستن بالسنن ، منه الله بالزكاة والصداق على المكفوفين ، في ثراء المبصرين .
وما الذي يغريك في عبادتي حتى تتيمم سبعا في دمي ؟ جمعا في خوافقي ، ضريحا في رطوبتي ، وصعلوكا أحب ما فيه العصمة ، يقتاتني حتى يلفظني من بين شفتيه ابتسامة فجر .
أيها العشق المتهور في بطحاء قلبي ، المسفوح على طرقات كربي ، العابد الزاهد المرواغ بالحب النزير اليسير الذي ينساب من ثمالتي كلما اغراه مسيل لعابي ...
أو كيف يحتمي غريمك منك إليك ، فانظري يا عصابة الحجاج في العمائم حول أسوار بغداد ، وفي الإماء وقد نثرن شعورهن على أكتاف السادة ، والحلاج ينظم آخر قصيدة في تصوف الفرات المنساب ، وما زال في القلوب شقاق ونفاق ، ورداءة بخت ونحس وبعثرة حظوظ ...
نحن غرماء بالدم بالعرق وبالفصيلة ، لأننا امتطينا ذواتنا والذوات عجول ، حتى خوارنا باهت ، وضروعنا جفاف ...
أيها الحلم الكادح في هوان السنين ، رحالك مبصرة ، وعيناك عمياء ، وفي اخدود اسدود تستعر المراكب ، والحمية تأخذني إليك في انتفاضة التنور ، صدى بلعه الصخر حتى تشقق في الأقبية ، وفاض على مكاحل المدينة دما ودموع ...
هذا الجسد المرابي ، المتصعلق العجوز ، المتفرع في الغيلاء تنقصه التروية ، تصادرني أعضاؤه في وقت سداد الديون ..
هكذا نمتعض من الغباء بالغباء ، حينما نخطه بالمنقلة والفرجار سياجا حول صهيلنا ، نادمين ونادبين تأكلنا القوارض ، وترثينا المآتم ونحن المآتم ، فهل نستحق الرثاء ...؟
افسخ عقدك أيها الوطن فلا مكان للزيجات بالإكراه ، والعهد الذي بيني وبينك يا هجير دنياي تساقط بالتقادم ، والحب الذي لا ينبع كشلال قلبي ، يجف ولو بعد حين ...
أيها الحلم المناضل في شرايين القلب العربي ، متى تعود من بطحاء مكة وقد شفتك التوبة ، ومن عسرة الهضم ولعقة العظم إلى فسحة الغم ، فاتحا تغليك المعجزات ...
الا نفيض من حيث أفاض الناس ، ونحن في جلالة الميقات اذلاء لا من فقر ، لأننا بالأصل لا نملك الجيوب ، ولا الصرائر ، بل إن الميراث الذي ساومنا عليه ، مفجوع بالتركة ، مدان لأجيال ، مالم يخالط نعومة أيدينا ، حفنة من تراب الوطن ...
اوتعجز البديهة أن تستردك من عافيتك ، حصيفا باع الأمل واشتر ى الحياة ، جرداء بلا ادنى اضافات ،بذنوبك ومعاصيك ، بحذاءك وخطاياك ، وسذاجة الفراشات وشيوع الماجنين ، لأنك في الحلم سيد ، وفي الصحوة سيد ، وفي أوراق التوت طلح بعير ...
دع السادة يمرون فليس في دماءنا غير مسحوق الأزياء ، غير مسافحين ، وغنائم العبيد جثامين هزائم ، لأنهم أحرص على الحياة ممن يختبؤون تحت الأورام ...
هزائمنا بطولات ، ولغونا قصائد ، ودماؤنا زيوت ، مكررة لا تلتصق إلا بالهدرجة ، والانطباع بمجمله ، حراشف ، ليس لنا في مدينة النعام ، سوى رمال الصحراء ، والذئاب جياع ...!!


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق