الأربعاء، 15 يوليو 2020

نصيحة للكاتب "كلُّ مُجْرٍ في الخَلاءِ يُسَرُّ" بقلم الكاتب سيد مسعود- إيران


نصيحة للكاتب

"كلُّ مُجْرٍ في الخَلاءِ يُسَرُّ"

يقول أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ: "وينبغي لمن كَتبَ كتابًا ألاَّ يكتُبَه إلاَّ على أَنَّ النَّاس كلَّهم له أعداء، وكلهم عالِمٌ بالأمور، وكلهم متفرِّغ له، ثُمَّ لا يَرضى بذلك حتَّى يدع كتابَه غُفْلاً، ولا يرضى بالرَّأي الفطير؛ فإنَّ لابتداءِ الكتابِ فتنةً وعُجبًا، فإذا سكنَت الطبيعةُ وهدأَت الحركة، وتراجَعَتِ الأخلاطُ، وعادت النَّفْسُ وافرةً، أعاد النَّظر فيه، فَيَتَوَقَّفُ عند فصولِه توقُّفَ مَن يكونُ وزنُ طمَعِه في السلامة أنقَصَ من وزَنِ خوفِه من العيب، ويتفهَّم معنى قولِ الشاعر:
إِنَّ الْحَدِيثَ تَغُرُّ القَوْمَ خلْوَتُهُ
حَتَّى يَلِجَّ بِهِمْ عِيٌّ وَإِكْثَارُ


ويقفُ عند قولِهم في المثل: "كلُّ مُجْرٍ في الخَلاءِ يُسَرُّ"، فيخاف أن يعتَرِيَه ما اعترى مَنْ أجرى فرَسَه وحدَه، أو خلا بعِلمه عند فقدِ خصومه، وأهل المَنْزِلة من أهل صناعته". (الحيوان1|88)

والمثل المذكور أعلاه "كلُّ مُجرٍ في الخلاءِ يُسَرُّ" له شرح ماتع في "الأمالي" لأبي علي القالي حيث قال: "أصله أنَّ الرَّجُل يُجري فرسَه بالمكان الخالي لا مُسابِقَ له فيه، فهو مسرورٌ بِما يرى من فرسه، ولا يرى ما عند غيره، يُضرَب مثَلاً للرجل تكون فيه الخُـلَّة يحمدها من نفسه، ولا يشعر بِما في الناس من الفضائل".

كلام الجاحظ بوصفه معلم الكتّاب وإمام فن البيان استوقفني وأعجبني أيما إعجاب، ولعلنا نتوصّل من خلال كلامه إلى سبب كبير من أسباب نجاح الرجل وخلود آثاره أيضا. فهو يدعو الكاتب إلى أن يتخيل أن القرّاء وكل من يصله مقاله هم أعداؤه، يلتمسون زلّاته، ويتتبعون مثالبه وعثراته، ولا يقبلون له عذرا عندما أخطأ في تراكيبه وألفاظه أو زل في معانيه وأفكاره، ولا تأخذهم فيه رحمة ولا رأفة، ولا يراعون فيه إلّاً ولا ذمة.
الكثير من الكتّاب اليوم يريدون أن يكتبوا فقط، وأكبر همّهم أن يُذكروا في قائمة الكتّاب، وقد عجزوا عن إعمال الدقة ونشدان الإتقان في الكتابة، لفظُهم رثّ، ورأيُهم غثّ، وهذا ما يظهر للخبير بمجرد إجالة النظر فيما يكتبون.
قد يحتجّ أحدُنا بأن الظروف قد تغيرت اليوم، فليس الكتّاب ولا القراء أولئك الذين قد عاصرهم الجاحظ، نعم، ربما تكون الجودة التي يتكلم عنها الجاحظ موضع النقاش، ولكن هل العناية بإفادة القارئ والسعي لتزويده بشيء جديد، والدقة لتجريد المقال من الأخطاء الإملائية والأغلاط الشائعة، من الأمور التي تقبل النقاش؟! أفلا يجدر بنا تفادي الحُفر على الأقل، فيما عجزنا عن تسوّر القمم؟

فالكاتب إذا نشد النجاح في الكتابة، ليفرض أنه في مضمار يعجّ بفرسان ماهرين متمرّسين، وأنه في كسب الرهان يحتاج إلى نفَس طويل، وجهد حثيث، وسعي دؤوب، وبذل أقصى ما في مستطاعه، ولا يكن كالذي يلج المضمار وحيدا فيسرّ بنجاحه المزيّف! وكما أن مجري الفرس بالمكان الخالي لا يُعدّ فارسا ولو سُرّ وابتهج وهشّ وبشّ، كذلك الكاتب الذي يكتب لنفسه دون أن يستحضر القرّاء ويحسب لهم حسابا، لا يُعدّ كاتبا ولن يجيد الكتابة.

* سيد مسعود- إيران

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مجلة وجدانيات الادبية (( نبقى أوفياء )) للشاعر حسان ألأمين

نبقى أوفياء مشينا دروب الوفاء و لم ينهكنا التعب و مهما قالوا عنا لا يهمنا من لامنا او عتب كم من حكمة في الوفاء قيلت و كم من الأمثال فيها ضُر...