الثلاثاء، 14 أبريل 2020

محاورات أدبية زمن الحجر الصحي / أدب الأفكار وتجليه الواضح في نص ( قصة حقيرة : ممنوعة من النشر ) / محمد الطايع / أحمد بويبس Ahmed Bouibes / الصوفي عبد الرحمان الصوفي




محاورات أدبية زمن الحجر الصحي / أدب الأفكار وتجليه الواضح في نص ( قصة حقيرة : ممنوعة من النشر ) / محمد الطايع / أحمد بويبس Ahmed Bouibes / الصوفي عبد الرحمان الصوفي
-------------------------------------------------------------

من " أحمد بوبيس Ahmed Bouibes إلى محمد الطايع

روعة أيها المنحرف اللذيذ،لم أكن لأنساق مع قراءتك لقصة مبدعنا الكبير عبد الرحمان الصوفي الصافي إلى النهاية لأنه باختصار مللت القراءة هذه الأيام ..... إلا أنك ثقبتَ ورقة هذا الملل وجذبت كياني لأتمعمع معكما في دواخل نصوصكما اللذين أثارا في الرغبة والحماس من جديد لأقرأ بل لأعلق...لكن ماذا سأكتب...؟
وكأني ما قرأت يوما ولا كتبت، فاليوم سقطت على وجهي، برزت عيوبي ...الحقيقة أني هذه الأيام دفنت سربا من الطيور التي تغرد النشاز،دفنتها في مطمورة الخرف ، كوني أضحيت متطرفا متوحشا غير أليف... وها أنا اليوم نهضت بغتة على سنبلتين ناضجتين متدليتين تنتظران القطف...لكن المشكلة هي انهما متشابكتان ويصعب عزل الواحدة عن الأخرى.وجدتهما فَرْدتين من طينة واحدة لا يمكنهما العزل وإلا غدت كل واحدة منهما بدون أهمية...
لقد قرأتكما وأعدت،مشيت في دروب العبارات مشية شيخ تائه يبحث ليلا بدون نورعن شيء يستلزمه ولا مفر منه، حيث بدونه لا يمكن أن يعود..نعم غطست في خضمهما أستقي النجاعة قبل كل شيء ولم لا كذلك أدحض ما هو غير مقنع بالنسبة لي..؟
هكذا وسطرا عن سطر،أخذت لهفتي تزداد وكأن شيئا يخزني بشغف ويدفعني للانصياع.وهاأنا أنبطح صمتا على بطني وأصوب وجهة تركيزي الكامل إلى النصين....
سيدي محمد:لا أخفيك أنك أسقيتني كأس عشق ،تجرعت منه سبل التقييم وفن الدراسة والإحاطة بالنقد الجارف الموضوعي...فلقد طوعْتَ التمهيد وجررتَه إلى لب العرض بسلاسة الكبار حتى أنني كدت أن أتعرف على ما تحت (قصعة الكسكس) رغم ما يعتليها من خضر ورواء.....أثلجت حرارتي التي كانت قد صدّرتني بعيدا عن ما يُكتب حاليا من مواضيع خافتة........وما عباراتك:( حسنا لابد أن نسلم بداية أن هذا التقديم الغريب للنص هو نوع من التفخيخ الذكي ، والتشويق الذي يعمل على استدراج القارىء الى متن النص ، لان الفضول الادبي لابد ان يدفع القراء..........) لخير دليل على الدخلة التي كانت فنية بامتياز،وخدمت بكل عمق اللاحقَ من النص،إذ على ضوئها سيُكشف المخفي....
نعم،إن للكاتب حِيَلُه ُ،وللمضمون لوازمه،ويبقى للقارئ أن يتصيد العبارة والفكرة التي تساوم عطشه...وهنا سأتوجه للكاتب سي ع الرحمان لأقول:ان القاص استعمل أرجوحة الصعود والهبوط،الذهاب والإياب..رمى بصنارته في أودية متقلبة تارة غارقة، وأخرى سهلة.... والمرور من هذا إلى ذاك كان فضا وغير مربوط...وأرى أن هذا كان مقصودا لأن رسائل جمة محمولة في إناء الحكي،وتقتضي التركيز لاقتناصها..وهنا يبرز ذكاء الكاتب،حيث الكتابة النوعية المتمردة تقتضي الحيل في تقديم الأحداث(البساطة،الانتقال بسرعة من ...إلى ...المكاشفة في بعض الأحيان..وووو) وذلك للخروج عن المألوف، وفعلا قد تم له ذلك حيث رسم الأحداث في قوالب غير معتادة...ولقد رصدتَ هذا وأشرتَ إليه في: (أن الكاتب استغنى عن الكثير من أساسيات أركان فن القص الكلاسيكي ووو..........الخ) ،
سيدي محمد:لقد ناوشت وجدان الكاتب الذي أُحيِّـيه وطلَـلْتَ على خبايا دواخله في كثير من الممرات،حتى أنك قرأته أكثر مما كان يتوقع....وهذه خاصية النقاد الكبار الذين يحسنون التفكيك ويضبطون قواعد الرؤى باستعمال ضوابط وآليات التحليل المؤطر الممنهج....وللشهادة أن القصة راقتني جدا لتمردها شكلا،ولتعرضها لسلاسل من المعاني ذات رسائل واقعية يتخبط فيها عامية الشعب....
دمتما كِلاكما فخر هذا الموقع ،وإني لمدين لكما أنكما أزلتما عني وسخا كان قد ضبب أوصال فكري هذه الأيام...
تحياتي الوافرات..

--------------------------------------------------------------------------

Ahmed Bouibes من محمد الطايع إلى

السلام عليكم ايها المشرق الطلة اخي واعز الاصدقاء احمد الذي تهفو له القلوب والعقول ، شكرا لانكم مررتم من هنا فنثرتم عبير البهاء وغرستم زهور الصفاء ، وارغمتم المشهد بكل لباقة على ان يشهد لكم الف مرة سيدي انكم رائعون ومميزون ..

الحمد لله اخي الكريم حاولنا بما علمنا الله ان نمد بساط القرب ونعلي شرفات الترقب بما يرضي رغبة استشراف الافضل فينا ، مع اصرار صادق والله يشهد وليس لنا غيره غاية ان نربح بعض الرضا ، ونملك بعض أسباب اليقين .. بأنه لا مناص لنا الا ان نكون اخوة في الحرف وفي الادب والحياة ، بما اعطت وكان علينا حقا ان نكون من الشاكرين ..

هو ذاك اخي احمد انه اخونا الاستاذ الناقد والكاتب الاديب عبد الرحمن الصوفي الذي تعلمنا منه الكثير ، وهذه لم تكن سوى لفتة بسيطة لما هو اهل له من تكريم وتقدير ، بيد اننا جميعا نحن وانتم وهو واخرون نحصيهم ونعدهم سادة من سادة القول الرشيد السديد ، بتا كحال الايتام في مأدبة الئام امام مد من الهرج والفوضى والتعتيم والتدجين والمغالطات ، ونكران الأثر ، وارجاء الاعتراف الى مابعد الاندثار ، ولله المشتكى اخي العزيز ..

ثم ها نحن ذ نواصل العزم على معاقرة خمر عشقنا للادب بصحبتكم الكريمة شاعرنا واديبنا احمد بويبس ، تكتبون ونقرأ ونكتب فتقرؤون ، هكذا لكي تنتصر معاني الجمال ويستمر للفكرة الخلاقة لمعانها ، ومنكم و منها نستمد الضوء القادر على تبديد عتمة الوقت الثقيل ..

أخي العزيز ، دمتم لنا منارة ، ودام اسمكم الغالي في الصدارة ، خير من نهفو لهم ونزهو ونسعد بهم ، ونفاخر بما هم اهل له وبه أحق ، وذاك أنهم وكما تعودناهم فوق المتعاد ، ظاهرون ظهور الأعلام وحاضرون كما المكان والزمان والفكرة والشعور ، يحفظكم الله اخي ويبارك فيكم ولكم ، ويمد لكم من أسباب السعادة وراحة القلب ورضا الضمير ، وإنكم والله لمن المقيمن في الجوارح .. وإن مكانتكم عندنا فوق النجوم ..

الف شكر لكم سيدي ، لكم يؤنسنا ويطربنا ويمنحنا كل العزاء والأمان والشعور الصادق بان الدنيا بالف خير ، تجليكم الامين ...

-------------------------------------------------------------

Ahmed Bouibes من عبدالرحمان الصوفي إلى

السلام عليكم أستاذي وصديقي الغالي

نحمدالله تعالى حمدا كثيرا لأنه جعلنا نتشارك لحظات تاريخية بكل ما لها وما عليها ، سواء تعلق الأمر بزمن الحجر الصحي ، أو الشأن الأدبي والثقافي وغيرهما ... ونحمدالله تعالى لأنه عرفنا على أناس أمثالكم تعلمنا منهم الكثير في فضائنا الأزرق ... أخي العزيز منذ الصباح وأنا أقرأ ( عدة مرات ) تعليقكم الذي شدني وجعل قلمي عاجزا لمجارات تشارك اللحظة تعبيرا ، فقلت في نفسي سأنتظر إلى يأتي الرد من أخي محمد الطايع ، وبعده أعلق وأخفي انبهاري وعجزي ...ما قرأته لكم أستاذي أحمد هو إبداع مستقل بذاته ولدته ظروف لحظة متشابكة ومتداخلة ، عتبتها الأولى نصي المتواضع الذي نشرته ، وبكل صراحة منذ أكثر من عشر سنوات وأنا أسأل نفسي لماذا القصة في المغرب خاصة فقدت قراءها وأدخلتهم في دوامة الملل ؟؟؟؟؟

هذا السؤال أرقني كثيرا ...لذلك قمت بكتابة محاولات كثيرة تكسر مسارات النمط القصصي المتعارف عليه ، فحاولت إدخال أدب المقامة والرسالة والرحلة والحكاية وغيرها في عصف قصصي قصير وقصير جدا ... مركزا على بساطة الأسلوب وهو الأهم ليفهمه كل القراء ، ولنجاح كل تجربة قصصية ...بعيدا عن الإغراق في الرمزية ... طبعا كل هذه المحاولات والمسارات في اتجاه الابتكار والتجديد في القصة القصيرة ما أخبرت بها أخي محمد الطايع يوما لأنها فقط محاولات لطالما احتفظت بها لنفسي كهاو ... لكن مفاجأتي كانت كبيرة وأنا أقرأ قراءة أخي محمد الطايع لنصي المعنون " قصة حقيرة : ممنوعة من النشر " لأنه عرف كيف ومتى يأكل العسل الذي فيه شفاء للناس ...فلو كنت أنا مكانه كقارئ للنص لدرست النص من زوايا الزمان المكان ووووووو أي مكوناته المتعارف عليها ، وستكون قراءتي فوقية انطباعية أخذت مسارات قوالب نقدية جاهزة .... لكن عبقريته تجلت في تموقعه داخل ذهني وجمع أفكاره المشتتة ، وأوصلها للقراء وكأنه كان عقلي الذي فكرت به ، ولأنه أدرك عمق الهم الذي أحمله ، فليس مضمون القصة فقط الذي أردته أن يصل للقراء ، ولكن الثورة على النمط السردي الكلاسيكي المتعارف علية .... أي
لابد من التجديد والابتكار في كل الأجناس الأدبية وإلا بقينا كمن يتفرج على فيلم هندي ( بطل يحب بطلة / صعوباب وعوائق تقف ضد حبهما / تزوجا أخيرا ) شاهدناه ألف مرة دون أن يضيف لمعرفنا شيئا....أوافقكم الرأي ذاته أستاذي أحمد في شهادتكم في حق الرائع محمد الطايع ...حفظكما الله تعالى ورعاكما .

أما العتبة الثانية فكانت قراءة أخي الفاضل محمد الطايع ( أدب الأفكار وتجليه الواضح في نص ( قصة حقيرة : ممنوعة من النشر ) .

أما العتبة الثالثة فكانت نص تعليقكم أخي العزيز أحمد بويبس.

-------------------------------------------------------------------------

* أدب الأفكار وتجليه الواضح ، في نص ،
قصة حقيرة : ممنوعة من النشر ، للكاتب الناقد :
عبد الرحمن الصوفي ..

بقلم : محمد الطايع ..

من أعراف الأدب والفن واشكال التعبير الإنساني ، أن مهمة تجنيس المنجز الابداعي ، ظلت إحدى الاختيارات الشخصية التي يختص بها المبدع نفسه ، ( إن هو أراد ذلك : فلا تقليد ملزم بالضرورة ) ففي الكتابة الأدبية ، اتفق الكتاب والقراء والنقاد ، أن الكاتب هو من يعين نوع وجنس النص الذي قام بكتابته ، فيخبرنا قبل أو بعد العنوان ، عن ماهي النص الابداعي الذي يقدمه الينا على أنه قصة أم رواية أم مسرحية أم شعرا أم خاطرة .. ثم يبقى الحكم بعد ذلك للدارس والمتلقي عموما ..

ثم يحضر سؤال الجودة ، حسب المعايير والشروط المطلوب توفرها في نص الابداع ، ومدى توافق ماذهب اليه الكاتب مع تلك الشروط والقواعد التي وان اختُلف في بعض صفاتها وادوات اشتغالها ، كان الاتفاق بشأن السمات الأساسية أمرا لاجدال فيه ، كما هو الشأن في اختلاف الأدباء وقراؤهم حول ( قصيدة النثر ) ، كما أن الحكم الذي يصدره المبدع حول عمله الأدبي ليس نهائيا ، فقد يرى الأديب مثلا ، أنه قد كتب نصا قصصيا بينما يرى عامة المتذوقون أنه إلى السيناريو السينمائي اقرب ، بيد انه تجدر الاشارة الى أن عملية التجنيس والتصنيف هذه ليست اعتباطية ، وذاك ان المعايير التي تتحكم بها ، تحتاج دراية واطلاعا مهما على ما تراكم في هذا المجال من نصوص ابداعية ونقدية على حد سواء ..

ونحن نقرأ نص ( قصة حقيرة : ممنوعة من النشر )
للكاتب والناقد عبد الرحمن الصوفي ، لابد ان نطرح سؤالا في بداية القراءة ، حول المعنى والغاية المراد وصولها من بعدما قام الكاتب بوصف قصته بالقصة الحقيرة ، من الطبيعي أن نسأل ، هل يعقل هذا ؟ إذا كان الكاتب نفسه قد أصدر حكما على قصته بأنها حقيرة ، فما الغاية التي يمكن لنا تحقيقها من بعد ذلك ؟ فأي وأد هذا لفعل القراءة منذ العنوان ، وأي اختلاف مع الذوق السليم ؟

حسنا لابد أن نسلم بداية أن هذا التقديم الغريب للنص هو نوع من التفخيخ الذكي ، والتشويق الذي يعمل على استدراج القارىء الى متن النص ، لان الفضول الادبي لابد ان يدفع القراء على اختلاف اشكالهم للاقبال على النص ، لانه في عالم السرد وعالم الخبر ، يمتلك القبح مثل الذي يمتلك الجمال من قدرة على شد انتباه القراء ، بل إن وقع الحوادث الغريبة والقاسية والعنيفة والمستهجنة أكثر إثارة لنزعة المعرفة منها مقارنة بالأخبار المعتادة او الجميلة والتي قد يصنفها البعض بالايجابية ، بينما يرى كثيرون أن احاديث الزهور ليست سوى تسلية استهلاكية و مخادعة ..

وهنا اعود إلى مسألة التفخيخ ، فأقول من ينتبه جيدا ، للعنوان ، يدرك أن الكاتب عبد الرحمن الصوفي لم يصنف النص الابداعي أصلا ، أولا لأنه من غير الوارد أو المقبول أن تكون هناك من بين الفنون السردية الابداعية ، قصص قصيرة وروايات وقصص حقيرة أيضا ، ثانيا ، سنفهم من خلال مراجعة خفيفة كنوع من التدبر الواعي للجملة ، فنعلم أنها تعود بالوصف على مضمون القصة التي بين أيدينا وليس على نوعها الفني ، فلا علاقة لهذا العنوان بجودة النص ولا التقنيات المتبعة في كتابته ، وذاك أن الاستاذ عبد الرحمن الصوفي ليس أول اديب ، قدم للقراء نصا دون ان يجنسه ، اذ نقرأ المآت من النصوص الابداعية يوميا والتي تدخل في اطار الشعر ، دون ان يخبرنا الشاعر أنها قصيدة ، او ان نصادف قصة غير مسبوقة بإشارة من الكاتب على أنها قصة .. هنا ينبغي الانتباه ، الى أن النص الذي بين أيدينا ، في حاجة لقراءة كاملة واعية ثم يأت من بعد الانتهاء منها والاطلاع الكامل عليها دور التجنيس وتحديد النوعية .. هذا ولا ننكر أن ورود كلمة قصة وحدها وبعدما نقوم بفصلها عن كلمة (حقيرة ) ، تنبه حواسنا وقدرتنا الإدراكية التفاعلية أننا أمام جنس القصة ، إلا انه لا يزال بالامكان أن نترك الأمر غير محسوما ، لأن القرآن الكريم تضمن قصص الأنبياء ( ابراهيم يوسف وموسى ) مع العلم أن القرآن الكريم ليس مجموعة قصصية ، بل هو كتاب تشريع في المقام الاول ، مثلما ضمت الملاحم المسرحية قصصا ، وكذلك فعلت الكثير من القصائد الشعرية ، التي حكت بلغة الشعر العديد من القصص ، ورغم ذلك ظلت تعرف بالقصائد .. وإنني شخصيا أرجأ ماقام به الأستاذ عبد الرحمن الصوفي ، إلى مدى اطلاعه وإلمامه بأنواعية الأدب وأجناسها وتقنياتها باعتباره ناقدا كبيرا ، وصاحب مؤلفات نقدية كثيرة مشهودة على المستوى المحلي والعربي ، إذ لا مكان للصدفة فيما يقوم به هذا المبدع ، فكل خطوة ينجزها تكون خاضعة لتقييم منه مسبق ، وتخطيط واع ومسؤول ، هذا مع إيمانه الشديد بأن الأدب هو من يلقن القارىء أدوات الاستقبال ، وليس العكس ..

حسنا بعد بلوغ نقطة نهاية إثر اطلاعنا على نص ( قصة حقيرة : ممنوعة من النشر ) ، سوف نكتشف و بيسر شديد ، أي القصة المشار اليها في عتبة النص والتي تم اخبارنا عنها ، بأنها قصة حقيرة : ممنوعة من النشر ، فنعلم قطعا أن القصة الحقيرة هي قصة الوزير الملقب ب( المنشار ) وأن الوقائع التي تضمنتها هي ما تجلعها ممنوعة من النشر ، حين تكون فعلا كاشفا لسراديب ومتاهات التآمر على المجتمع ، فالحديث هنا ، والاشارة لاتخص قصة الكاتب ، أولا لأن عبد الرحمن الصوفي لايمكن أن ينعت قصته بالحقيرة ، ثانيا القصة تم نشرها بالفعل ، ولولا انها نشرت لم تكن لتصل الى أيدينا أصلا ، وهكذا وبعدما نصل الى هذه المرحلة من الفهم في التعاطي مع النص ، نكون قد تأكدنا إلى أننا أمام قصتين ، وليست قصة واحدة ، الاولى هي قصة الكاتب عبد الرحمن الصوفي ، والتي لم يخبرنا عنها وعن نوعيتها بل ترك لنا نحن مهمة اكتشاف ذلك ، والقصة الثانية هي قصة الوزير ( المنشار ) والتي أخبرنا الكاتب عنها بانها قصة حقيرة ممنوعة من النشر ،
هكذا نتأكد بما لاشك فيه ، أننا نقرأ نصا تجريبيا خلاقا ، عرف منذ الوهلة الاولى كيف يستغل ذكاءنا كقراء ، ويدعونا للفصل بين النص ( الأم/ الحاضن ) باعتباره منجزا أدبيا له تقنياته اللغوية والفنية ، وبين النص الضمني والذي يحمل قصة سياسية رمزية اجتماعية تروم التلميح والاشارة الى بعض مظاهر الاستغلال ، والتآمر على الشعب من قبل بعض ساسته ..

لقد عمد للكاتب الناقد ، عبد الرحمن الصوفي على تقسيم النص الذي بين أيدينا ، الى ثلاثة أقسام ، نرصدها كالآتي :

1 - قبيل زمن الكورونا ( الربيع العربي ) ، والتي تتضمن تعريفا فنيا خاطفا معتمدا تقنية الرمز وجهة نظر الكاتب حول علاقة الوزير ، بالربيع العربي ، هنا تلزمني إشارة تقنية بسيطة ، أنني أنا ( محمد الطايع ) كل مايهمني هو رصد تقنيات الكتابة ، والأساليب الفنية المتبعة لدى الكاتب ، أما الأراء السياسية ، فإن لي وجهات نظر خاصة فلا اقول بما يخالف و لا ما يتفق مع الكاتب في هذه المسألة تحديدا ، وهذا راجع لمدى تنوع زوايا الرؤية والقراءة للواقع المعيش ، وهذا ليس تطرفا ولا حيادا ، انما هو رغبتي في اعلام القارىء بوجوب فصل رأيي الشخصي الذي أحتفظ به لنفسي في أمور عدة وأنا اناقش قضايا الأدب ، والتي لا اعتقد أنها مفصولة عن القضايا السياسية ، إنما لايجب أن يعتقد القراء أن سائر المهتمين ، بالأدب هم على نفس التوجه و الخط السياسي نفسه ، و حتى في ما يتعلق بالعقيدة و الدين ، فإنني شخصيا لا أرى مانعا من الحديث أدبيا عن كتاب وكاتبات ، اعلن صراحة انني أخالفهم الكثير من الرؤى والافكار المتعلقة بالفهم الديني ، كأن أتحدث عن كاتب حداثي يتبع إيديولوجية معينة ، حداثية علمانية أو حتى سلفية أو صوفية ، وهذا كله لايحول بيننا وبين فضيلة البحث عن القيم الجمالية والانسانية المشتركة التي تحملها الينا النصوص الابداعية ، وتحملنا مسؤولية تعاطي مفرداتها بكل وعي وجدية ومرونة .. لكن وقبل أن أنتقل إلى القسم الثاني ، أود الاشارة إلى أن صفة المنشار والتي أطلقها الكاتب عبد الرحمن الصوفي على الوزير ، وبما اتفق في الأدب الشعبي الشفاهي والأدب المقروء ، هي صفة الاستغلالي الذي لاينظر الى سير الأمور ، الا من منظور المصلحة الشخصية واسترداد الربح ، بعيدا عن أية اعتبارات انسانية أو وطنية ، مما يحيلنا مباشرة على رأي الكاتب الواضح حول قضية الربيع العربي ، وكيف يعتقد كاتبنا بفساد المسؤولين ، مع غياب قيمتي الاخلاص والنزاهة عن مخططاتهم السياسية التي لاتضع أمام اعينها اهمية خدمة الصالح العام ..

2 - زمن كورونا ( زمن الجائحة )

في هذه الفقرة ( العرض ) نلاحظ اعتماد الكاتب ، تقنية المونولوج والتداعي الحر للافكار ، في ما يشبه حركة مسرحية فوضوية مدروسة ومحبوكة تحت انظار مخرج متحكم ، المراد منها ترك انطباع لدى القارىء بتداخل المفاهيم و المناهج والتقارير والشهادات ، والاسماء ، التاريخية التي يجوز اسقاطها على اناس معاصرين ، أو تشبيه اناس معاصرين بآخرين من العصور السالفة ، فنجد اشارة للفيلسوف الفقيه ابن رشد ، الذي حارب وحُورب في ازمنة فتانة ، ونجد حي ابن يقضان الذي عاش وترعرع في الغابة ، ثم لايكتفي كاتبنا ببطل الرواية بل يقوم باستدعاء ابن طفيل شخصيا ، كاشارة ذكية منه الى علاقة فن القصة بالادب العربي القديم ، حيث شاع القول بان القصة القصيرة ضرب مستحدث من ضروب الادب و دخيل على الأدب العربي ، هذا لأن الكاتب عبد الرحمن الصوفي كما اشرت من قبل رجل لايترك كلماته للصدفة ، فكأنه هنا يذكر القارىء بمدى أحقية الكاتب العربي في إثبات حضور موروثه الفني والثقافي في الظاهرة الأدبية العربية بما يوافق رسالته ، إحالة على المصنفات الأدبية القديمة من رسالة ومقامة ومؤلفات ذهب كثيرون إلى أنها كانت مادة خصبة للكتاب الغربيين في انتاج نصوص ادبية مشابهة ..

ومن خلال قراءتنا لهذه الفقرة الثانية أقول مرة اخرى ، سوف يتضح وبجلاء رأي كاتبنا في الظاهرة الثقافية الكورونية التي اختلطت فيها المعايير ، وبات المشهد أشبه ، بصراع يومي مشهود مفاده ، من سوف يتمكن من إقصاء نده في المسرح السياسي ، وربح أكثر عدد من الاصوات ، المؤيدة ، دون أن نغفل أن الصورة خرجت علينا بغلبة واضحة للوزير المنشار مرة اخرى ، والذي عرف كيف يستغل ، عامل الخوف ، باعتماد خطة بني اسرائيل حين اعلنوا للنبي موسى عليه السلام ، رغبتهم في العدس والبصل / و السردين : اشارة اخرى مضافة الى ما تداولته الطبقات الفقيرة ، كوجبة رئيسية للمواطن المغربي ، مع ماتحمله الاشارة من زاوية اخرى ، من اشارات تحيلنا على السردين باعتباره ثروة بحرية طبيعية وطنية ..

3 - الفقرة الاخيرة والتي تضمنت التالي :

عفوا أصدقائي القراء ، توقفت عن مواصلة كتابة هذه القصة ...لقد وصلني رسالة عاجلة ، يطلب مني مرسلها أن لا أحتفظ بها لنفسي ، بل مطلوب مني أن أمررها لغيري ، وإلا سأدخل جهنم !!!! بعد قليل ستجدونها في المواقع الخاصة بكم ..

سوف أعتمد هذه الفقرة .. لتبيان وجهة نظري الخاصة بتصنيف النص والذي أشرت إليه في جملة عنوان المقالة ، بأدب الأفكار ، حيث تستخدم الصيغة الفنية الحكائية لتوليد مجموعة من الدلالات ، التي تجعلك تكتشف في النهاية أنك في حضرة كاتب أديب مفكر ، أراد من خلال نص سردي قصصي تجريبي قصير ، ان يبلغ القارىء وجهة نظره في ما يخص المشهد السياسي تزامنا مع جائحة وباء الكورونا الذي هيمن على العالم بأسره ، بينما لن يختلف قارءان أن الكاتب استغنى عن الكثير من أساسيات أركان فن القص الكلاسيكي ، لنقول باختصار ، هناك شخصية رئيسية لكنها سلبية - شخصية الوزير - هناك عقدة لكنها دائرية مادام الواقع مليئا بالمستجدات ، هناك تصاعد درامي لكنه يتسم بالديناميكية ذات بصمة غير ثابتة كأنها بصمة الدماغ نفسه ، فهي متقلبة صعودا ونزولا بما يوافق ايقاع تموجات المد والجزر الثقافي العام الذي حاول الكاتب رصده من خلال توزيع انتقائي للاصوات المتعاقبة على منبر الحكي ، ( ولد بوشعيب ، و الغالية بنت يطو ) وهذه نماذج من النص تعتبر إحالة على أصحاب الفكر المسترزق بالقضايا والذي بات يطفو على الواجهة من خلال الوسائط التواصلية المتاحة ، وبهذا كان النص عموما مشروعا نقديا مجتمعيا سياسيا لظاهرة الإدلاء بالرأي العبثية والمريضة ومدى اسهامها في بلورة وعي عام من النادر أن يكون في خدمة المصير الأمين المشترك ، حيث أبان الكاتب عن احترافية سردية خالية من المغالاة العاطفية ، والاطناب والتطريز اللغوي ، والتشريح والرومانس ، حتى بدا كأن النص روبورتاج مباشر ، بلغة الرمز وبارنوراما اجتماعية تحمل نفس نبرة الازدحام الفوضوي الصاخب الذي يعرفه المجتمع عموما ، وبالنسبة للحل أو القفلة ، يعتبر الجزء الأخير أو الفقرة الثالثة ، مفتاحا هاما لمزيد من الفهم الواجب تقديمه من طرف الكاتب لقارئه ، وفيه تتضح الصورة ويغدو الخطاب جليا ، فهو إشارة قطعية الى وجوب الصدع بالراي ، والاعلان عن وجهة النظر ، وتداولها ضد من يكرسون فكرة التعتيم ومنع نشر الحقائق والقصص التي تشير بكل شجاعة ومصداقية إلى مكمن الداء ..

هكذا قرأت من زاويتي الخاصة ، نص عبقرية الأستاذ الناقد عبد الرحمن الصوفي ، قصة حقيرة : والتي لم تعد ممنوعة من النشر بعدما قام الكاتب بتفجيرها من خلال نص متفرد في الصيغة والأسلوب .

تحياتي للجميع ..

محمد الطايع ، طنجة / 12 / أبريل / 2020

النص الاصلي ..

قصة حقيرة : ممنوعة من النشر

قبيل زمن الكورونا ( الربيع العربي ) :
دعا الوزير الملقب ب " المنشار " طبيبه الخاص لزيارته في قصره الشاطئي لأنه يعاني السمنة المفرطة ...كتب له وصفة دواء جديدة ...اغتنم الوزير الفرصة وسأل الطبيب : " ماهي المواد الغذائية التي تقوي المناعة عند الفقراء ..!؟ " ، رد عليه الطبيب ردا لا يحمل خلفية سياسية : " العدس والبصل والسردين ..." .

بمجرد مغادرة الطيبب القصر ، جميع الوزير خدام القصر والطباخين وأبناءه ، يخبرهم بأن طعامهم من اليوم فصاعدا " العدس والبصل والسردين " . طأطأ الكل رؤوسهم إلا أبناءه نظروا إليه باستغراب ، فنهرهم قائلا : " أنتم لا تفهمون في السياسة والاقتصاد ... " ...

جملة الوزير المنشار فهم منها الخدم والطباخون ظاهرها دون باطنها ، أكدت لهم يقينا أن الوزير أصبح فقيرا ، بل هو واحد منهم .

زمن كرونا ( زمن الجائحة ) :

اختلط العلم بالجهل ، والكذب بالصدق ، والجد بالهزل ، والدين بالسياسة ، والطمأنينة والرضى والخنوع بالخوف من الجوع الذي أخرج الناس مطالبين ب " العدس والبصل والسردين " ...كانت أصوات الجماهير تخترق جدران القصر ...انضم خدام الوزير و عمال مطبخه إلى الجمهور وشعارهم : " الوزير مثلنا فقير ، يعيش على العدس والبصل والسردين " ... ردد الجمهور بصوت واحد " يحيا المنشار ...العدل مع المنشار ...ارحلوا ارحلوا إلا المنشار... " ، في هذه اللحظة جمع الوزير أبناءه : " اسمعوا ما يقوله هؤلاء البلداء ...ألم أقل لكم أنتم لا تفقهون في السياسة والاقتصاد ...اصبروا أبنائي ...بمجرد أن ينجح أول لقاح يحمينا من " كوفيد" أو الكفن ، سنستقل أول طائرة نحو بلدنا الثاني فهو " غفور رحيم " ... تفرقت المظاهرة إلى فرقتين يمين ويسار ، تفرق اليمين إلى ميمنات واليسار ميسرات .

بعد زمان الكورنا ( قولوا العام زين ! ) :

يحكي ( ولد بوشعيب ) عن هذا الزمان ، فيقول : " أنه رأى في المنام حي بن يقضان ينادي في الناس قائلا :
- " سلام ! يا سلام ! وسلم تسليما ...ضريح البرلمان ياسادة ، جمع أبرز المخططين والقادة ... برعوا في كل ميادين القول والخطابة ..صوت عليهم شعب البارصا والريال والسهول والهضاب والغابة ..عجيبة هي مناصب الفخر والمهابة والحصانة وتقاعد بالزيادة ...وجوههم متهللة إشراقة وابتسامة ..ابتسم لهم حظ رمز الخروف والهر والجحش والبقرة والدجاجة ...."

ردت على (ولد بوشعيب ) امرأة تسمى ( الغالية بنت يطو ) أمام جمهرة من الحاضرين ، وبحضور ابن رشد في السوق الاسبوعي " أربعاء الغرب " قائلة :
- " ياسلام ! ...ياسلام ! وسلم تسليما ...ضريح البرلمان يا سادة ، أحلى نومة فيه بلا غطاء أو وسادة ...فيه اصناف مداخلات وكلام وإفادة ... في كل مداخلة لحن سياسة و كمان وربابة ..أغلبية ومعارضة وفرق كالعادة ...بعد سؤال فريق جواب من وزير بإلمام واستفاضة...يا سلام ! ..."

وجاء رد آخر على ( ولد بوشعيب ) من ( بوشتة الحمدوشي ) وهما معا في حمام عمومي ، والشاهد ابن طفيل.. قال( بوشتة الحمدوشي ) :
- " ياسلام !...يا سلمى ! ....يامسلمين ! ضريح البرلمان يا سادة ، الحق واليقين ...سيرجع الشمعة والحصير ورميد للعلاج من مرض دفين ..وعطايا للقرى سكر وعدس وسردين ...وتيسرير لتدريس أبناء الفقراء حساب حل التمارين ...ومعلم ترد الجبال زفراته حزنا وأنينا ..التعليم يحتاج لمزانية ترياق وكفن وقراءة سورة يس.. "

أما العيساوي الحلاق فكان له قول آخر أمام تشجيعات ابن عربي.
- " ..يا سلام ! ياسلام ! ... ضريح البرلمان يا سادة... يا كرام ... هبة رزق ونعمة ..لم يصلح العمل إذا كانت الأجسام في راحة ..أبعد الله عنكم الهم والغم وأوساخ الدنيا ولتعش الجيوب في استراحة ...ارفعوا الأسعار فالفقر حبيب وليس نجاسة ..لكم الأرض والسماء والماء ، ومنا الطاعة والاستجابة ..لا تخافوا علينا من الغضب ، أجسادنا أخذت من رضاكم المناعة ...اركبوا السيارات والطائرات والسفن لا دخل لنا بكم ولا حاجة ...كل انتخابات سنقدم لكم الولاء ندعوا لكم بالسلامة ..لن يقبل البحر انتحارنا الجماعي ولا سوق النخاسة ... " .

عفوا أصدقائي القراء ، توقفت عن مواصلة كتابة هذه القصة ...لقد وصلني رسالة عاجلة ، يطلب مني مرسلها أن لا أحتفظ بها لنفسي ، بل مطلوب مني أن أمررها لغيري ، وإلا سأدخل جهنم !!!! بعد قليل ستجدونها في المواقع الخاصة بكم 

عبدالرحمان الصوفي / المغرب

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مجلة وجدانيات الادبية (( نبقى أوفياء )) للشاعر حسان ألأمين

نبقى أوفياء مشينا دروب الوفاء و لم ينهكنا التعب و مهما قالوا عنا لا يهمنا من لامنا او عتب كم من حكمة في الوفاء قيلت و كم من الأمثال فيها ضُر...