عيدُ حُب أم عيدُ فُسق
أجمل ما في الكون صفاؤه ونقاؤه كما فطرهُ الله تعالى؟ فالبحار والأنهار مياهها نقيةٌ وعذبة خالية من أيُّ شوائبٍ أو أدران ، والسماء صافيةٍ لا يعكرها أيُّ تلوثٍ ، وكما هي السماء والبحار وكل مكونات البيئة التي حولنا ، كذلك حال الإنسان فالله عزَّ وجلْ خلق النفس الإنسانية صافية نقية لا تعتريها أيُّ شائبة ، ولكن ما الذي يلوِّثُ النفس الإنسانية أو مكونات الكون ؟ فالجواب هو الإنسان نفسه ، فبيده أن تبقى السماء والبحار وكل مكونات البيئة نظيفة نقية ، وأن تبقى نفسهُ تحمل كُلَّ معاني الجمال والحب والخير والسعادة للبشرية .
ما دفعني لكتابة هذا المقال هو العيد الذي يُطِلُّ علينا في الرابع عشر من شُباط ألا وهو عيد الحب ( الفالنتاين ) .
بداية قد يقول من يقرأ ما سأكتب بأنني إنسانٌ مُتزمتٌ أو مُتخلفٌ وغير حضاري ، ولكني أقول إذا كان الحُب بالصورة التي نراها ونُشاهدها هذه الأيام من فِسقٍ ومجون ، فأقول : نِعْمَ التزمُّت والتخلُّف
إن الحُب أسمى وأرفع وأجل مما نراه من صورٍ وأفعال تحت مسمى الحب وهي أفعالٍ تمتهنُ الحُب الذي وهبه الله للبشر وبه تكونت البشرية ، فالله عزَّ وجلْ خلق الإنسان وبثَّ فيه صفاتٍ ومشاعر جميلة تتحلى بها نفسه ، ومن هذه الصفات والمشاعر هو الحب . لقد بدأ الكون بآدم وحواء عليهما السلام ، والحب هو أسمى المشاعر الإنسانية الجميلة ، وجمال الحب بطهارته ونقائه وعفته وصدقه ، لا بالمجون والفسوق والشهوات والمتاع الزائل .
الحُب الحقيقي هو الحب الذي لا ينقطع فيه حبل الوصال وتاجه الطهارة والشرف ، وبه تتآلفُ القلوب وتتلاقى الأرواح قبل الأجساد ، وتكون نهاية هذا الحب هو أقدسُ رباطٍ سنَّه الله بين الرجل والمرأة وهو الزواج الذي يكون عنوانه المحبة والمودة ، قال تعالى : ( ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودةً ورحمة ) فالمودة والرحمة هما أساسيات الحُب الشريف ، والضابط فيها لهذه العلاقة هو الزواج وذلك لصون النفس من الفتن والشهوات
إن ما يُسمى عيد الحب ( الفالنتاين ) هو عيدٌ دخيلٌ علينا وعلى عاداتنا وعلى تقاليدنا ، وأستغرب من أبناء أمتنا كيف يتمسكون ويتشبثون بأمورٍ ويطبقونها على أنفسهم تُنافي أخلاقنا وتعاليم ديننا دون أن يعرفوا كُنهها ، وقد نهى رسولنا الكريم عن التشبُّه بغيرنا ، إذ قال : ( من تشبٍَهَ بقومٍ فهو منهم ) ونحن كمسلمين ليس لنا إلا عيدين مُقدَّسين من عند الله ألا وهما عيدا الأضحى والفطر السعيد .
إنَّ عيد الحُب هذا بدايته كانت من الوثنيين ثم من النصارى في إيطاليا ؛ وإيطاليا نفسها منعت هذا العيد لأنه من الأمور التي تؤدي إلى الفوضى الأخلاقية بين الجنسين ، ثم ارتبط إسمهُ بعد ذلك بالقديس فالنتاين الذي يعتبرونه شفيع العُشاق وراعيهم وهو قد قُتِل لأنه أحب إبنة سجانه وزنى بها فقتلوه في ذلك اليوم ، وتكريماً لهُ إبتدعوا هذا اليوم وأسموه عيد الحُب ، فكيف لنا أن نقتدي بإنسانٍ زانٍ ونرتكب الذنوب والسيئات
أتساءل كيف نقتدي بمن يُنادي بزواج المثليين ، الرجُل بالرجُل والمرأة بالمرأة ويسنون لذلك الشرائع التي تدعو للفُحش والعُهر وانهيار القيم وانحراف للفِطرة التي فطر الله الناس عليها ، فالإحتفال بهذا العيد هو اتِّباعٌ وتقليد للغرب؟ وفيه تُنتهك الأعراض ويُعتدى على محارم الله واعتداء على حدوده سبحانه وتعالى .
الحُب هو فِطرةٌ فطر الله الإنسان عليها ، ولكن لها حدودها وسُننها المبنية على الطهارة والنقاء المُفضي إلى الزواج بشرع الله ويكون بينهما من مودةٍ وحُبٍّ ووفاء وصدق يتحقق به إشباع الغريزة كما أقرها الله بمحكم كتابه وبسُنَّةِ نبيه
أن الحُب الحقيقي يقوم على عناصر أساسية هي كالآتي :
أولاً : الصراحة والوضوح : وذلك بأن تكون المكاشفة بينهما في كُلِّ أمور حياتهما
ثانياً : الصدق : أن يكونا الطرفان صادقين بحبهما وميولهما لبعضهما وليس نزوة عابرة
ثالثاً : الإخلاص والثقة بينهما وهما أهم الركائز للوصول إلى الحب الحقيقي وعلى الرجل أن يعرف أن مشاعر أي فتاة ليست سلعة رخيصة ومبتذلة ، بل هي كنزٌ عظيم يجب احترامه وتقديره ، وعلى الفتاة أن لا يكون حُبها مرتبطاً بمصلحة آنية بحثاً عن مالٍ أو جاهٍ أو منصب ، فنهاية هذا الحب الدمار والزوال وأنت الخاسرة في ذلك .
رسالتي إلى كل شاب وفتاة أقول أن الحُب نِعمة من نِعم الله وضعها في قلوبنا فعلينا حُسن التصرف وحسب شرع الله ، ولقد خلق الله القلب وبصلاحه يصلُح الإنسان وبفساده يفسد ، فلا بُد أن يكون القلب صالحاً وسليماً من التعلق بزخارف الدنيا وشهواتها المحرمة ، واجعلوا نُصب أعينكم مخافة الله عزَّ وجلْ ، واعلموا أن هذا العيد وما شابهه هي أمورٌ لا تمتُّ لديننا بصِلة ، وهم يروجونها ويبثوا فينا سمومهم ليخرجونا عن الصراط المستقيم وعن أخلاق وتعاليم ديننا الكريم
فالحب الذي نريده الذي تتلاقى فيه الأرواح وتتآلف فيه القلوب ويكون رباطه قُدسية الزواج ، وليس الحب الذي دافعه الغريزة الطائشة والشعور الجارف المنفلت من عقاله ولا يحتكم إلى العقل، فهذه غريزة لا يمكن إهمالها ولا بد من توجيهها وضبطها وتهذيبها بما شرعه ديننا الحنيف من عفة للنفس وطهارتها وإبعادها عن كُل المحرمات . فحذار أيها الشباب أن تتلاعبوا بعواطف الفتيات من أجل نزوةٍ عابرة وتذكروا دائماً أن ما تفعله من هذه الأمور لن ترضاها لأمك أو لأختك أو إبنتك أو زوجتك أو أية فتاة تكون قرابةٍ لك وتذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا يؤمن أحدكم حتى يُحب لأخيه ما يُحبُّ لنفسه )
ويستحضرني أبيات عظيمة للشافعي إذ يقول :
عِفْوا تعِفُّ نساؤكم في المحرمِ
وتجنبوا ما لا يليق بمسلمِ
إنَّ الزنا ديّنٌ فإن أقرضَّتهُ
كان الوفا من أهل بيتك فاعلمِ
يا هاتكاً حُرم الرجال وقاطعاً
سُبل المودة عِشت غير مُكرَّمِ
لو كنت حُراً من سُلالة ماجدٍ
ما كُنت هتَّاكاً لحُرمةِ مُسلمِ
من يزنِ يُزنَ به ولو بجدارهِ
إن كنت يا هذا لبيٍَاً فافهمِ
صخر محمد حسين العزة
عمان- الأردن
14/2/2022
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق