السبت، 17 أبريل 2021

المعجزة .. للقاص الليبي الهادي خليفة الصويعي

 



المعجزة
سامي هو وحيد ابويه, وقد حاولا جاهدين توفير سبل الحياة الكريمة له, فنشاء مدللا, يأتيه الطلب قبل أن تتحرك به شفتيه, فيكفي نظرة من عينيه للعبة معينة, فيتسابق الاب والام,: هل تريدها؟, وقبل أن يجيب بإيماءة من رأسه, يجري سباق أخر فالاب يسرع بإدخال يده الى جيبه, والام تتجه يدها الى شنطتها, ويبتسم في زهو من يخرج الثمن أولا, وكثيرا ما كانا يتشاجران, لأن أحدهما أنفق اكثر من الاخر لمرضاته, كان سامي طفلا في المرحلة الابتدائية, الوحيد الذي يرافقه أبواه الى المدرسة صباحا, وقد يقضيان فترة الانتظار في أحد المقاهي القريبة إنتظارا لإنتهاء اليوم الدراسي للعودة به الى البيت, ونادرا ما كان يعودان مباشرة الى البيت, ففي الطريق قد تكون هناك إيماءة من سامي, ناحية أحد المطاعم, فيدخلان إليه, وياتي السفرجي لمعرفة طلبهما, فيشيران الى سامي, وكانا يستمتعان وهما يشاهدان ولدهما يتحاور مع السفرجي حول اصناف الطعام التي يقدمها المطعمو وقد يجد السفرجي عنتا في الشرح للولد, فيدير عينيه ناحية الوالدين طلبا للمساعدة, لكنهما يجيبانه بضحكة وإشارة الى الولد, ويقولان كأنهما في جوقة: هو المدير, تفاهم معه, فيزداد سامي زهو, ويستمر في الحوار مع السفرجي, وحتى لوكان الطلب من الصنف الذي لا يحبذانه, فإنهما يشعرانه بالتلذذ بالاكل.. في المدرسة كان أغلب التلاميذ يتحاشون اللعب معه, لأن والديه كثيرا ما كانا ياتيان الى إدارة المدرسة يشكيان سؤ معاملة ولدهما من قبل أحد التلاميذ, فيظطر المدير أو المشرف الاجتماعي لمناداة التلميذ و توبيخه أمامهما, والتنبيه عليه بعدم التعرض لسامي,..وفي الحقيقة فإن سامي كان نبيها ومتفوقا في تحصيله العلمي, ولم يكن من النوع الذي يحب اللعب والجري في فترة الاستراحة, بل كان نادرا ما يغادر الفصل وقد يقضي فترة الاستراحة في مقعده, إما متناولا لفطوره المتعدد الاصناف, أو لمطالعة أحد الدروس...كانت زميلته سامية هي المقربة له, فهي الوحيدة التي يرتاح لمجالستها, وكثيرا ما كانا يقضيان فترة الاستراحة يجلسان في ظل شجرة يتحدثان مع بعضهما البعض, أو يتناولان الافطار سويا..كانت تلك أسعد لحظات سامي في المدرسة, وكان يكثر من ذكرها لوالديه, فكانا يتنافسان ايضا في إرسال بعض الهدايا لسامية, وقد تعودت امه أن تعد الافطار بما يكفي لشخصين...مع نهاية العام الدراسي, قالت له سامية: بأنها ستسافر مع والديها لأمريكا خلال الصيف, أمتعض قليلا لكنه قال: وأنا كذلك ساسافر فقد وعدني أبي وأمي بالذهاب الى فرنسا خلال العطلة الصيفية..وجاء اليوم الموعود فقد ظهرت النتائج وأستلما إستمارة الدرجات, وكان ترتيبهما من الاوائل, فأحتفلا على طريقتهما تحت شجرتهما وتواعدا على اللقاء في بداية العام الدراسي, ولم ينسى سامي ان يقدم لسامية مشط مطلي بلون ذهبي كهدية بمناسبة النجاح, أشترته أمه لها, وتمنيا لبعضهما عطلة سعيدة, وأفترقا على أمل اللقاء...دخل العام الدراسي وكالعادة دخل سامي الى المدرسة صحبة والديه, وكانت عيناه تبحثان في كل إتجاه لعله يرى سامية, لكنه لم يرها, ولاحظت امه ذلك فقالت: صبرا يا ولدي ستراها في الفصل, فأطرق خجلا, وأنفلت من يدها وأسرع ناحية الطوابير...عند نهاية اليوم الدراسي, جاء والديه, فأستقبلهما بوجه متجهم, قالت أمه فزعة: ما الامر هل تعدى عليك أحد التلاميذ الويل له, وأنطلق والده بغتجاه إدارة المدرسة, لكن سامي قال بصوت منخفض: لم يحصل شيء, أحس ببعض الالم, ففهمت الام: وقالت: كيف حال سامية, ولم تنتظر الاجابة, فأسرعت تنادي على زوجها قبل أن يصل الى الادارة, فعاد مسرعا, وكررت سؤالها لإبنها: فأطرق وقال لم تأتي الى المدرسة, حاولت الام التخفيف عن ولدها, فقالت: لعل ظرف ما قد منعها اليوم عن المجيء, وستأتي غدا...لكن لا غدا ولا بعده ومر العام ولا أثر لسامية في المدرسة, وعاد سامي الى الانطواء والوحدةو وبدأت أمه تلاحظ عليه السرحان والذبول, فحدثت والده بالامر, وقررا السؤال عن سامية, أخذا العنوان من الادارة وذهبا الى حيث تسكن, وجدا بواب العمارة, فسألاه عن عائلة سامية, فقال لهما: الدكتور محمود سافر مع عائلته الى أمريكا للعمل هناك, ولا أعتقد بانه سيعود قبل سنوات, فقد أعطاني مفتاح الشقة لتأجيرها...تأسفا للإمر, لكنهما قررا ضرورة إخراج ولدهما من هذه الازمة, وطمئنا نفسيهما بأنه ولد صغير وسرعان ما ينسى..مر العام الدراسي, فكانت نتيجة سامي النجاح لكن ليس بنفس المستوى, ومرت الاعوام, دخل سامي الجامعة, وقد نحف جسمه, وزادت إنطوائته, ولم يكن يرغب في تكوين أية علاقة مع زملائه و زميلاته, فقد كان يحضر المحاضرات ويعود الى البيت فيغلق حجرته على نفسه, ويهيم في فضاء لا متناهي من الافكار التي تتقاذفه يمنة ويسرى, وكانت أمه تأتي له بالغذاء والشاي, فيأخذه منها ويتحجج بأنه يذاكر استعدادا للإمتحان, ولكن حاله بدأت تسؤ أكثر فأكثر..فقررا ضرورة عرضه على طبيب, ويالصدمتهما فقد أخبرهما الطبيب بأن أبنهما يعاني من مرض نادر, ويجب حجزه في المستشفى, باسرع وقت ممكن, ولامهما على تقصيرهما في عرضه على طبيب, فالمرض قد تمكن منه لدرجة كبيرة, أسودت الدنيا في وجهيهما, وترنحت الام فيما يشبه الاغماء فأرتمت على أقرب كرسي, وأنهمرت دموعها, ووقف الاب واجما يجيل بصره بين زوجته والطبيب, حاول الطبيب التخفيف عنهما بعبارة معتادة, ولكنه أصر على ضرورة دخول سامي الى المستشفى حالا, قال الاب: هو بالجامعة يادكتور, فرد الدكتور: الجامعة تنتظر لكن المرض لا ينتظر, فقال الاب: المشكلة..رد الدكتور: لا مشكلة يمكننا تقسيط أو تأجيل الدفع, فأسرع الاب: المشكلة ليست مادية, بل في كيفية إخباره بالامر وإقناعه بذلك, فقال الدكتور: دع الامر لي, واخرج زوجتك وأدخلا سامي, وسأقنعه بطريقتي الخاصة, ساعد الاب زوجته على النهوض وخرجا الى الردهة يجرجران اقدامهما, فهرع سامي إليهما, وهو يتسأل: ما الامر, ماذا قال لكما الدكتور, فغمغم والده: إنه يريدك على إنفراد, وقبل أن يتفوه سامي بكلمة وقف الدكتور ببا ب حجرته, وناداه: سيد سامي أرجوك تفضل, فترك والديه ودخل الى الحجرة..بعد نحو ربع ساعة خرج من الحجرة وهو مطأطي الرأس, فوجد والديه يجلسان على كنبة, هرول ناحيتهما, ولم يتمالك نفسه عن البكاء, فأرتمى في حضن امه وأخذ ينشج: لقد ضاع الامل, وضاعت الاحلام, لقد أنتهيت, فانهمرت أمه بالبكاءو وتحجرت الدموع بمآقي والده, وحاول أن يخفف من حدة الموقف, لكن الكلمات خانته, فنظر الى الدكتور الذي كان واقفا يرقب المشهد, كأنه يستنجد به, فقال الدكتور: لم يضيع شيء يا سيد سامي فالطب قد تقدم, وسنجد حلا, ثم أن الامر كله بيد الله, وأنت رجل مسلم, فقالالاب: ونعم بالله, ورفع سامي رأسه, وقال مخاطبا الدكتور: أنا جاهز, ونهض واقفا, فأشار الدكتور بيده لإحدى الممرضات قائلا: جهزي سرير بالغرفة رقم 5 بسرعة, وتوجه الى والدي سامي قائلا: أنتظرا لتأخذا ملابسه, وبإمكانكما زيارته في أي وقت تشأؤون...شهقت الام, لم تستطع الوقوف رغم محاولتها, ومساعدة زوجها, ودارت اعينها ثم ذهبت في إغماءة, أفزعت سامي وأبوهو فقال: الدكتور: لا تنزعجا, ودخل الحجرة وخرج يحمل بخاخ بيده, بخ منه قليلا على وجه الام, فتحركت وأفاقت, وأشار الى سامي بالذهاب خلف الممرضة, فذهب وهو يلتفت بعد كل خطوة, وساعد الرجل زوجته على النهوض, وأتجها الى باب المستشفى, فأستوقفهما مكتب الاستعلامات وأخذ منهما بعض البيانات, وسلمهما كيس به ملابس ولدهما, وغادرا...مر شهر وتبعه أخر وحالة سامي تزداد سؤا, أكثر من مرة حاول والده أن يتحدث الى الطبيب مستفسرا عن إمكانية علاجه بالخارج, وكان الطبيب يؤكد له بأن لا فائدة من ذلك, فلن يجد أكثر مما يعطى له هنا, ثم أن السفر ومشاقه قد يعودان عليه بأثر سلبي..جلس والد سامي و زوجته بالبيت, وكأن على رؤوسهما الطير, كانت الخادمة تأتي بسفرة الطعام, وترفعها دون أن يقترب منها أحد منهما, وكانت الطاولة الجانبية قد أمتلأت بالمجلات الطبية بحثا عن حل لكن دون جدوى..فجاة نهضت الام كالملدوغة, والتقطت أحد المجلات, وأخذت تحدق في غلافها الخارجي, وهي تطلب من زوجها الاستعداد للخروج, ولم ترفع عينيها عن المجلة, حاول الزوج الاستفسار لكنها ألحت عليه في تغيير ملابسه بسرعة, وقالت: وهي تتجه ناحية الباب: سأنتظرك بجانب السيارة, وما هي إلا دقائق حتى كانا بالسيارة, فقال: الى أين, لم تجبه لكنها مدت غليه يدها بالمجلة, وتشير بأصبعها الى العنوان, فأنتبه للإسم (عيادة الدكتورة سامية محمود), فنظر الى زوجته, فقالت: يارب يكون الفرج على يديها, وبسرعة البرق كانا يقفان على باب العيادة ودفعا مستعجل, وأضاف الاب بعض البقشيش للمرض, فأدخلهما الى حجرة وقال: لحظات وتأتيكما الدكتورة, وما أن دخلت عليهما حتى بادرتها الام والدمع يفيض من عينيها, أنت سامية محمود التي درست بالمرحلة الابتدائية بمدرسة الفرقان الابتدائية, فقالت: نعم, فأخذتها الام بالحضن, وهي تبكي وتقول: يا بنيتي, هل تذكرين زميلك سامي الذي كان يجلس دائما معك تحت الشجرة الكبيرة, والذي اهداك مشط مذهب, أبتسمت الدكتورة رغم مشاعر التي أنتابتها نتيجة إحتضان الام لهاو فالموقف كان غريبا, وقالت: مرت سنوات, فقط أعطيني فرصة لأتذكر, فقالت الام: بعد أن انتبهت لموقفها: تذكري يا بنيتي, فحياة ولدي رهن ذاكرتك, جلست الدكتورة الى مكتبها وأخذت تتأمل في السقف, وتجيل عينيها بين الاب والام, ثم قالت: تذكرت, وأين هو سامي اليوم, هل اصبح دكتور أو مهندس, فهو يستحق اكثر من ذلك, لأنه ذكي جدا, وقد كان يحضر لي بعض الدروس, يكتبها لي, فقالت الام: إذن وجب عليك رد الجميل له, فهو اليوم في امس الحاجة إليك, قالت الدكتورة: خيرا إن شاء الله, فقالت الام: سامي يرقد الان بالمستشفى بين الحياة والموت, فقد أصيب بمرض يقولون أنه نادر والشفاء منه شبه مستحيل, فردت الدكتورة: لا مستحيل فالله هو الشافي, فردد الاثنان كلماتها الاخيرة, وطلبا منها بإلحاح أن ترافقهما لزيارته, فقد يكون لوجودها بقربه تأثير إيجابي, واضافت الام: فهو منذ أن غادرتي تبدلت احواله, فأطرقت الدكتورة خجلا, وقالت: سأذهب معكما فأنتظراني لحظات لأبدل ملابسي, قال الاب: سننتظرك بالسيارة أمام العيادة, قالت: حسنا, فنزلا السلالم وهما يبتهلان الى الله أن يجو على ولدهما بالشفاء.
وصلوا الى المستشفى, فأتجه الوالدان الى حيث يرقد سامي, فيما قادت إحدى الممرضات الدكتورة سامية الى حجرة الدكتور المعالج, طرقت على الباب بأدب جم ودخلت فيما ظلت سامية تتأمل صورة لمنظر طبيعي معلقة على الحائط, وأنتبهت على صوت الدكتور وهو يخرج من الحجرة مرحبا به وعلى وجهه إبتسامة عريضة, دخلت الى الحجرة وهي ترد بعبارات شكر وامتنان, ودعاها للجلوس, ودار هو ليجلس خلف مكتبه, قالت وهي تجلس: أنا هنا من أجل سامي, رد عليها: مرحبا بك, إن حالته صعبة, وهي مستقرة, لكن استجابته للأدوية بطيئة جدا, قالت تعرف بنفسها: الدكتورة سامية محمود إخصائية أمراض عضلية, جامعة كاليفورنيا, عدت من هناك قبل نحو ستة أشهر, أتسعت ابتسامته, وقال محسوبك: الدكتور محمد أبو العينين أخصائي أمراض باطنة, خريج كاليفورنيا أيضا, لك قبل أكثر من ربع قرن, وأضاف أكيد تغيرت أشياء كثيرة خلال هذه الفترة, اجابته: بالنسبة للبناء لم يتغير كثيرا لكن المحتوى تغير تغيرا شبه كامل, وأخذا في أحاديث عن ذكريات كاليفورنيا, قطعته سامية بقولها: لو سمحت هل لي بالاطلاع على ملف سامي الطبي, قال: بكل سرور, ضغط على زر بجانبه, فجاءت ممرضة, قال لها: أحضري ملف المريض سامي الذي بالحجرة رقم 5...لحظات وعادت الممرضة تحمل الملف, فأشار إليها الدكتور بعينيه, فسلمته الى سامية, وقبل أن تخرج نهض الدكتور وقال مخاطبا سامية: سامر على بعض المرضى خذي راحتك, فغمغت وهي تنظر في الاوراق التي بالملف: شكرا لك, وخاطب الممرضة: أطلبي للدكتورة كوب عصير, فقالت سامية: بل قهوة سادة لو سمحت, انهمكت في الاطلاع على محتويات الملف, ولم تنتبه للممرضة عندما دخلت بالقهوة ووضعتها أمامها على الطاولة...عاد الدكتور من جولته, فوجدها لازالت تتصفح الملف, فقال وعلى وجهه ابتسامة عريضة: إيه يادكتورة قهوتنا لم تعجبك, فأنتبهت لكلامه وقالت: العفو, لم أنتبه لها, فقال: يبدو أن المريض مهم جدا, قالت: هو قريبي, وهو وحيد والديه, ومدت يدها الى فنجان القهوة فأرتشفت منه رشفة, فوجدتها باردة, فعرفت أنها قد أخذت وقتا طويلا في الاطلاع على ملف سامي..تبادلت مع الدكتور بعض الجمل الطبية وطلبت الاذن بالذهاب الى حيث يرقد سامي, فنهض من مكتبه وهو يمد يده ويتجه ناحية الباب ويتمتم: بكل سرور, وودعها الى عتد الباب, وأشار الى إحدى الممرضات قائلا: دلي الدكتورة الى حجرة رقم 5, وصافحها وعاد الى مكتبه, فيما ذهبت سامية خلف الممرضة, وقفت أمام باب الغرفة, فقد شعرت بإرتعاشة تسري في عروقها, أخذت نفسا عميقا وفتحت الباب, وما أن دخلت حتى نهض الوالدان يستقبلانها وفي عينيهما أكثر من سؤال, قالت وهي تحاول ان ترسم ابتسامة على شفتيها: إن حاله ليست صعبة كما تتصورون,..أفسحت الام لها المجال لتجلس على كرسي موضوع قرب رأسه, وكان هو ممددا على السرير بلا حراك, جلست وأخذت تتأمله مليا, فأنتابها شعور بالرغبة في البكاء, لكنها تماسكت, وبحثت عن يده تحت الغطاء, وتظاهرت بأنها تتحسس مواضع النبض, أشارت الام الى زوجها, فخرج وأغلق الباب, مدت سامية يدها الاخرى ففتحت عينيه على التوالي, وفي هذه الاثناء كانت الام قد غادرت أيضا الحجرة, فقد شعرت بأن بقاء الدكتورة معه لوحدها أفيد
لولدها, بقيت سامية لحظات بعد خروج أم سامي, وكانت تمسك بيده, قربت فمها من أذنه وهمست: سامي أنا سامية قد عدت من أمريكا, هل تسمعني, وكانت تضغط على يده وهي تحدثه, تأملت وجهه وتركت شعره ليغطي وجهه وقربت شفتيها منه وهي تقول: سامي حبيبي, لم أنسك لحظة واحدة, ومازال المشط الذي أهديتني إياه معي, هل تشعر بشعري وهو يلامس وجهك,..لم تتمالك نفسها فكانت دموعها تسيل على خديها, مسحت الدموع بكفها وبللت بها شفتيه, وهي تقول: سامي هل تشعر بدموعي على شفتيك إنها دموع فرحتي بلقائك, ثم أقتربت من وجهه أكثر, حتى لامست شفتيها شفتاه, وغمغمت هذه بداية قبلة, أرجو أن نستكملها بعد شفاءك, وسأنتظر, فأرجوك لا تطيل إنتظاري, وكانت تحدثه وكامل أنتباهها على يدها التي تمسك بيده, شعرت ببعض الاستجابة فقد حدثت إرتعاشة في يدهو ونظرت في عينيه المغمضتين, فلاحظت أيضا بعض الحركة على الاهداب..تركت يده ونهضت الى حيث حنفية المياه وغسلت وجهها وأخرجت منديل ورقي من شنطتها وجففت به وجهها ونظرت في المرآة وعدلت من حالها, ثم توجهت الى الباب, وجدت الاب والام يجلسان على كراسي بالردهة, فنهضا لخروجها, وقبل أن يتكلم أي منهما قالت هي فيما يشبه الامر: يجب أن أنقله الى عيادتي, فقد أحضرت بعض الادوية والاجهزة معي, يمكن أن تفيده, وتوجهت مباشرة الى حجرة الطبيب..في عيادة سامية خصصت له حجرة, وأستأجرت ممرضة وزوجها ليقوما على خدمته ليل نهار, فقد خصصت لهما حجرة مجاورة لحجرته, وكانت هي تقيم بالدور العلوي, وأخذت تعطيه جرعات الادوية بإنتظام شديد وتحقنه بالحقن, وبعد كل جرعة أو حقنة تأخذ عينة من دمه وتحللها, وكانت تقضي الساعات الطوال وهي تناجيه, وتحدثه عن المستقبل الذي ينتظرهما, وترجوه أن يفيق, وكانت دموعها تبلل وجهه, فتحدث بعض الاستجابات المتذبذبة تارة إيجابية وتارة سلبية لكنها لم تفقد الامل, استمرت على تلك نحو شهر, وفي اليوم الحادي والثلاثين استيقضت على طرقات على باب حجرتها فأنتبهت من نومها وهرولت نحو الباب وهي تبتهل الى الله أن يكون خير, وجدت الممرضة على الباب وعلى وجهها ابتسامة عريضة, وبادرتها بالقول: لقد فتح سامي عينيه, تأثرت لما سمعت لدرجة أنها تمسكت بالباب خوفا من السقوط, وأسرعت بملابس النوم تنزل الدرج, انتبهت الممرضة الى أن الدكتورة قد نزلت بملابس النوم الخفيفة, فرجعت الى حجرتها وخرجت تحمل بيدها روب كشميري أحمر, دخلت الى حجرة سامي فوجدت الدكتورة منكبة على وجه سامي وهي: تغمغم: لقد نجوت ياحبيبي, الحمد لله, ودموعها تنهمر بغزارة وهي شبه مرتمية عليه, فوضعت الممرضة الروب على كتفيها وغادرت وهي تقول: قادر على كل شيء
الهادي خليفة الصويعي/ليبيا





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مجلة وجدانيات الادبية (( نبقى أوفياء )) للشاعر حسان ألأمين

نبقى أوفياء مشينا دروب الوفاء و لم ينهكنا التعب و مهما قالوا عنا لا يهمنا من لامنا او عتب كم من حكمة في الوفاء قيلت و كم من الأمثال فيها ضُر...