قالت شقائق النعمان هذا هو اسمها بالعربية، نحن نسميها بلهجتنا "الشاوية"-هي لهجة من اللهجات البربرية يتكلم بها سكان الولايات الشمالية الشرقية في الجزائر-"اقبابوش" كما يسميها سكان الوسط الى الغرب "بنعمان" اما سكان الجنوب فيسمونها "بوقرعون" نعم تعددت الاسماء والزهرة واحدة، تنمو بطريقة طبيعة حيث انها لاتزرع فهي هبة من الله لنا، قرب مزارع القمح والشعير في مجموعات كبيرة تحسب انها نقطة حبر حمراء على ورقة خضراء، او سحابة حمراء منعكسة على بحيرة خضراء من جراء نمو الطحالب داخلها، لقد استفاضت في الشرح والحديث عن تلك الزهرة حتى إنها قالت عنها أنها حبر الفقراء كما تعد من مواد الزينة والتجميل للفتيات الصغيرات عندما يردن تقليد الشابات اليافعات في تجملهن، حيث انهن كن ياكلنها فتترك لونها الأحمر الفاقع على افواههن وكأنه أحمر شفاه، ومنهن من تصنع منها تاجا تزين به شعرها، لقد كان مهتما جدا لحديثها ذاك مما جعله ينسى نفسه فيها، بل لم يعد يسمع غيرها على الرغم من الصخب الذي كان حوله في ذلك اليوم الباعث على البهجة، لقد كان يوم زفاف أحد أقاربه غير أنه ومنذ وطأت قدماه تلك القرية الجبلية التى تتميز بصفاء هوائها ونقاوة مائها وخضرة ارضها وبساطة العيش فيها، مما جعل من قاطنيها أناسا يرتاح لهم المقبل عليهم بمجرد رؤية وجوههم المشرقة، كما انهم لا يتكلفون، بل يعاملون القادمين إليهم بطبيعتهم الهادئة وافواههم الباسمة وقلوبهم الواسعة شساعة ارضهم الخصبة، حيث أنه لما رأى تلك الفتاة الفتية الطرية صاحبة العيون العسلية، وكان عهده بها قبل ذلك طفلة صغيرة مشاغبة لايروقه عبثها وشغبها بتاتا، لقد صارت شابة فاتنة باطلالة بهية تجبرك على التأمل في ملامحها الرائعة وبل وتفرض عليك الغوص في تفاصيلها المضنية، إنها من أقاربه لكن رابط الدم بعيد نوعا ما، لقد كان ينظر مباشرة إلى وجها ذا الشكل الدائري والمشع بياضا وكأنه قمر بدى للست بعد ثمان، كما أنه كان يأخذ لون الخجل حمرة بين الفينة والأخرى، إنها نظرات إعجاب...، لا هي نظرات هيام وعشق جارف كيف لا وقد آلت كل الأصوات والأوجه الحاضرة في تلك اللحظة إلى العدم، ولم يبق أمامه إلا محياها الفاتن.
لقد أنهت كل كلامها وحتى أنها إجتهدت إطنابا في وصف تلك الزهرة عمدا كونها كانت تريد أن تسرق من وقته بعض اللحظات الجميلة لنفسها، نعم كانت تحاول أن تظهر إهتمامها به دون أن تلفت نظر من كان حولها لتلك اللحظات الرومنسية المسروقة من وسط تلك الفوضى السعيدة، لم يقل شيئا بل بقي في حالة شرود ذهن وغياب عقل وكأني به تعاطى مخدرا قبل الوقوف معها، لقد تاه في جمالها الذي أسره وهو حر، طأطأت رأسها خجلا من تلك النظرة الهائمة ثم عمدت إلى الوردة التي كانت تصفها، وقطفتها برشاقة كالفراشة المحلقة ثم قدمتها له، غير أنه لم ينتبه لكل هذا بل بقي على حاله وكأنه تمثال يتنفس، ما هذا التيه إنه لايفعل شيئاً إلا تحريك عينيه صوبها وكأنه صقر يطارد فريسه، نادته بإسمه لم يسمع ولم يرد أنه في حالة ذهول منقطع النضير، سأل نفسه حينها من دون أن ينبس ببنت شفة، ما هذا التيار الجارف الذي يصادرني من دون أن أبدي أي مقاومة، هل هو سحر الجمال؟ ام هو وله الحب من فعل بي هذا؟، كل هذا وهو ثابت في مكانه ذاك لايستطع التحرك إلا إذا حرك مقلتيه ليلاحقها بهما، قصدت يده وأمسكتها بلطف غير أنها أحست كما أحس هو حينها بصعقة تشبه صعق التيار الكهربائي غير أنها لطيفة، سببت لهما رعشة في جسديهما بمجرد أن لمست يدها يده، نعم أنه التقاء روحين عاشقين في نقطة مادية من الجسدين الهائمين ببعضهما، هنا فقط إنتبه أنه لم يكن منتبها وحاول عبثا إخفاء ما ظهر منه لكن هيهات، ثم أمسك تلك الوردة ذات الأوراق الأربعة، وقربها إلى أنفه محاولا ان يشتم رائحتها مع انه يعلم ان لا رائحة لها، فضحكت متهكمة وحائرة في الوقت ذاته من فعله ذاك، سائلة نفسها الهذه الدرجة يجهل مميزات هذه الوردة؟! لتكف بعدها مباشرة عن الضحك وتبادر قائلة ليس لها رائحة لتشتمها، غير أنه أصر على ذلك، لم تفهم هي في حينها لماذا فعل ذلك رغم تنبيها له إلا أنها بعد مدة ليست بالطويلة أدركت أنه كان يريد أن يشتم رائحتها الملتصقة بتلك الوردة التي أصبحت فيما بعد رمزا لقصة حبهما التي ولدت في فوضى زفاف قريبها.
أبسط الحركات وأتفه التفاصيل كانت كفيلة بولادة قصة عشق جعلت من شقائق النعمان رمزا لقصة عشق من حاضر الزمان.
الكاتب والشاعر نوي لقمان
الجزائر

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق