الاثنين، 6 يوليو 2020

(( روح جدي )) بقلم الكاتب عبدالحميد المرسي


(( روح جدي ))

قبلت يده المتزينة بخربشات مخالب حطب القطن الممزوجه بثنايا الجلد جراء القبض على المحراث البلدى والفأس وناف الساقيه ولفلفات حبل الماشية التي تجر النورج بعجلاته الحديدية الحاده ، وضحكة وجهه المنقوشه بلون أعواد البرسيم وكيزان الذره المتعرية من ملابسها وحباتها متساوية الصفوف المشرقة كاللؤلؤ .
حاكيته عن عصر العولمة وكيف أحادث إبن عمى فى بلاد الحجاز بالصوت والصوره طوال ال ٢٤ ساعه ، وكيف هو وصل لهناك بالطائره فى خلال ساعتين من الزمن ليس إلا ، ورويت له كيف نرتوى المياه البارده بعيدا عن الزير والقلة الفخار ، وكيف نسوى الطعام من خلال مواسير تمشي على الحائط .
سألني عن الجمل البارك ، آكل حشيش الغيط وهو بارك كما كان يروى فى الفوازير ، وعن الكانون الذى لم يعد يشتم رائحة دخانه ولذة تذوق طعامه ، سألنى عن هواء العصارى تحت الجميزه الموجودة على البحر وعن تلك ( الجنيه ) التى كانت تجلس هناك وتمشط شعرها الحريري الطويل الذى يغطي كامل ظهرها كما كانت تحب أن تبدو لعمي دائما .
سألني عن الهديه التى منحت له من الزعيم الخالد ( عبدالناصر ) ولما مزقناها حتى باتت تئن من آلامها ، وعن البيت القديم الذى قبرت معه صلة الرحم
ضمنى لصدره وهو يلتحفني ب ( الحمل الصوف - بكسر الحاء ) ، ثم أوقد مدفأته المغذاه بفروع الأشجار ووضع عليها براد الشاي الذى ظل يتراقص بغطائه والماء يغلي بداخله ممزوجا بحبات ( شاي سيلان الناعم ) ، سألنى عن قريتنا التى كانت مكسوه بقش الأرز الذى لم يعد يراه يغطي الأسطح ، سألنى عن الأسطح ذاتها التى اختفت وسط جدران الحجاره وبهرجة البويات التى أنستنا جلبابنا القديم المتعطر بعرقنا .
ودعني جدي وهو يربت على كتفى ويذكرني بالجامع الكبير وكيف اكتسب الطيبه وصفاء القلب والتسامح ، والرضا بما قسمه الله له وهو يخالط جبهته ب ( الإياس الحصير ) ، وأخبرني أن البساطه هى أقصى درجات السعاده ، والتواضع هو قمة الأخلاق .
ودعته لأجد ذلك الولد بقصة شعره الغربيه الغريبه وهندامه المتخاصمة مع أسفل ظهره والهاند فري المغلق بها أذنه وبداخله ثورة تمرد على حياة لم يذق لها لذة من ساعة مولده ، فجلست أكفكف دموعي أناجي روح جدي ، لعلها تعود لتعيد من جديد تلك الأبنية القديمه بتلك النفوس التى فنيت معها .
عبدالحميد المرسى
رسم الفنان/ يوسف أسامه









ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مجلة وجدانيات الادبية (( نبقى أوفياء )) للشاعر حسان ألأمين

نبقى أوفياء مشينا دروب الوفاء و لم ينهكنا التعب و مهما قالوا عنا لا يهمنا من لامنا او عتب كم من حكمة في الوفاء قيلت و كم من الأمثال فيها ضُر...