(( روح جدي ))
قبلت يده المتزينة بخربشات مخالب حطب القطن الممزوجه بثنايا الجلد جراء القبض على المحراث البلدى والفأس وناف الساقيه ولفلفات حبل الماشية التي تجر النورج بعجلاته الحديدية الحاده ، وضحكة وجهه المنقوشه بلون أعواد البرسيم وكيزان الذره المتعرية من ملابسها وحباتها متساوية الصفوف المشرقة كاللؤلؤ .
حاكيته عن عصر العولمة وكيف أحادث إبن عمى فى بلاد الحجاز بالصوت والصوره طوال ال ٢٤ ساعه ، وكيف هو وصل لهناك بالطائره فى خلال ساعتين من الزمن ليس إلا ، ورويت له كيف نرتوى المياه البارده بعيدا عن الزير والقلة الفخار ، وكيف نسوى الطعام من خلال مواسير تمشي على الحائط .
سألني عن الجمل البارك ، آكل حشيش الغيط وهو بارك كما كان يروى فى الفوازير ، وعن الكانون الذى لم يعد يشتم رائحة دخانه ولذة تذوق طعامه ، سألنى عن هواء العصارى تحت الجميزه الموجودة على البحر وعن تلك ( الجنيه ) التى كانت تجلس هناك وتمشط شعرها الحريري الطويل الذى يغطي كامل ظهرها كما كانت تحب أن تبدو لعمي دائما .
سألني عن الهديه التى منحت له من الزعيم الخالد ( عبدالناصر ) ولما مزقناها حتى باتت تئن من آلامها ، وعن البيت القديم الذى قبرت معه صلة الرحم
ضمنى لصدره وهو يلتحفني ب ( الحمل الصوف - بكسر الحاء ) ، ثم أوقد مدفأته المغذاه بفروع الأشجار ووضع عليها براد الشاي الذى ظل يتراقص بغطائه والماء يغلي بداخله ممزوجا بحبات ( شاي سيلان الناعم ) ، سألنى عن قريتنا التى كانت مكسوه بقش الأرز الذى لم يعد يراه يغطي الأسطح ، سألنى عن الأسطح ذاتها التى اختفت وسط جدران الحجاره وبهرجة البويات التى أنستنا جلبابنا القديم المتعطر بعرقنا .
ودعني جدي وهو يربت على كتفى ويذكرني بالجامع الكبير وكيف اكتسب الطيبه وصفاء القلب والتسامح ، والرضا بما قسمه الله له وهو يخالط جبهته ب ( الإياس الحصير ) ، وأخبرني أن البساطه هى أقصى درجات السعاده ، والتواضع هو قمة الأخلاق .
ودعته لأجد ذلك الولد بقصة شعره الغربيه الغريبه وهندامه المتخاصمة مع أسفل ظهره والهاند فري المغلق بها أذنه وبداخله ثورة تمرد على حياة لم يذق لها لذة من ساعة مولده ، فجلست أكفكف دموعي أناجي روح جدي ، لعلها تعود لتعيد من جديد تلك الأبنية القديمه بتلك النفوس التى فنيت معها .
عبدالحميد المرسى
رسم الفنان/ يوسف أسامه

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق