اقتصاص
حينها كنت في الخامسة عشرة من عمري- فتاة ذات عينين عسليتين و شعر يحاكي الشمس الساطعة, و آمال طوال عراض- و كان أول الربيع, و بداية انحسار الثلوج التي تغطي جبال قريتنا الغافية في حضن سهل أخضر, محاطة ببحر من الزهور الملونة.
نعم, هذا اليوم أتذكره جيدا كما لو أنه الآن؛ حين أرسلت أمي أحد أخوتي الصغار لأحضر على الفور, كنت منشغلة وقتها باللعب مع رفيقاتي تحت الشجرة الكبيرة التي رافقتني منذ طفولتي, خشيت حينها أن يكون مكروها حدث لأبي المريض, لكن الامر كان شيئا آخر!
هرعت الى البيت, وجدت أمي بانتظاري..
"ماذا حدث يا أمي؟" بادرتها, و أنا ألهث و قلبي يكاد يقفز خارج صدري!
"لا شيء عزيزتي, هناك من يرغب في رؤيتك, هذا كل ما في الأمر" همست لي و هي تبتسم!
و قبل أن أرد بشيء ..
" هيا اغسلي وجهك, و رتبي هندامك" قالتها, و الابتسامة لا زالت على وجهها..
فعلت ما طلبته مني؛ أخذت يدي, و دخلنا الى الغرفة المخصصة للضيوف..
فور دخولي وقعت عيني على (أم وليد)!
(أم وليد) هذه هي الخاطبة التي يلجأ اليها من يريد الزواج من رجال القرية أو من خارجها؛
فهي تعرف الجميع, و لديها قوة تأثير على العائلات, حيث تستطيع أن تقنع أية فتاة تختارها بأن
الرجل المتقدم لخطبتها هو خير الرجال, و أحسنهم!
كانت بدينة نوعا ما, وجهها مدور أبيض مشوب بحمرة, و أسنانها متفرقة, ترتدي من الملابس
أفخرها؛ تدل على أنها تتمتع برغد العيش, خاصة أنها تقبض من كل صفقة( زواج) مبلغا من المال مقابل ذلك.
و معها رجل كبير في السن - واضح من مظهره أنه من الاثرياء – ما أن القيت التحية حتى قامت (أم وليد) من مكانها, و أقبلت نحوي, و احتضنتني, و طبعت قبلة حارة على خدي..
" أهلا, أهلا بعروستنا" قالتها, و هي تأخذ بيدي و تجلسني بالقرب منها, مقابل ذلك الرجل..
" أنظر, ألم أقل لك كم هي جميلة, و رقيقة, و هادئة! هي كما طلبت" قالتها و هي تغمزني في ظهري, و تهمس لي أن أبتسم!
رأيت عيني الرجل قد اتّسعت, و هي تبرقني بنظرات, تشبه نظرات القط حين يرى فأرا جاهزا أمامه!
" معكِ حق يا أم وليد" و أعقبها بابتسامة عريضة..
صوته الأجش, و نظرات عينية الثاقبة, و فمه الكبير, و شاربه الكث؛ جعلني أشعر بالخوف الشديد منه!
خلال الأيام التي تلت هذه الزيارة, علمت أنني سأكون الثمن الذي يُدفع لأنقاذ الأسرة – أب و أم و ستة من الاخوة و الاخوات- من براثن الفقر و العوز... خاصة بعد أن فقد أبي عمله نتيجة اصابة جعلته قليل الحركة, و لا يستطيع أن يقوم بأي عمل شاق..!
رفضت, صرخت, خرجت هائمة على وجهي الى الشجرة التي طالما لعبنا تحت ظلها, و التي احتضنت آمالي و احلامي.. بكيت هناك كثيرا علّها تسمعني, و تساعدني!
لكن كان لابد من الرضوخ و الاستسلام!
تمت الصفقة( الزواج), و أيقنت من الليلة الاولى أن هذا الرجل قد سرقني, و سرق زهوة أيامي كما
يسرق الليل شمس النهار؛ عزمت مع نفسي على الاقتصاص منه في يوم من الايام.
أخذني الى حيث يعيش في بلد غريب عني في كل شيء؛ قصر فيه كل أسباب الرفاهية, لكنه لم يسعدني!
عندما أمسك بيدي, و أدخلني اليه, شعرت و كأنني أضحية يوم العيد, يحتفون بها ليقدموها بعد ذلك وليمة تسرهم, و تسعدهم.. لم يفكر أحد من قبل بشعور هذه الاضحية, لكنني عرفت الان!
كان زوجي كثير السفر, و الترحال, فمهنته تتطلب ذلك...
لا أدري من الذي أقنعه بهذا الزواج الذي لم يكن يحتاجه, الا اللهم كونه وعاء رسميا ممكن أن يحمل له الولد الذي سيرث ثروته الضخمة من بعده!
نعم, الآن عرفت كيف أقتص منه!
جاءتني هذه الفكرة بعد أن يئست من الطرق التقليدية لمنع الحمل, و خوفا من أن يقع المحذور!
زوجي ترك لي حرية التنقل؛ أسافر وحدي, أخرج, أذهب الى أي مكان, أشتري ما أريد ...
لا يعترض على أي شيء!
و بما أن المال لديّ, و أصرف منه كيفما أشاء؛ اهتديت الى فكرة ستخلصني من هذا القلق المستمر الذي أعيش!
سافرت الى بلد مجاور يتيح لي تنفيذ ما خططت له!
ربما عندما تسمعون به, تصفونني بالمجنونة أو القاسية, لكن لا يهم؛ فقد كنت حينها جسدا بلا روح!
ما إن وطئت قدمي أرض المشفى؛ تنفست الصعداء, و دعوت أن يتم الأمر على خير!
بعد مضي أسبوع, علمت انني الآن أحيا بحرية, و بدون خوف؛ لقد اقتصصت منه, و بمبضع الجراح أزلت ما يمكن أن يجعلني (أمًّا) في يوم من الأيام!
فنن الزيتون
1/7/2020

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق