المُثَبِّط_قاتلٌ_ناعِمٌ_و_خفيٌّ_للمواهب_الواعدة.!
إذا كان لكلِّ شئٍ آفةٌ تُصيبُه فآفةُ الكاتب الناشئ هي الإحباط النفسي.
و غالبًا مّا يتعرّض له الكاتب جرّاءَ تصرّفٍ باردٍ جافٍ، أو كلمةِ تثبيطٍ قاسيةٍ، يوجّهُها إليه أيُّ كائِنٍ متشائِم، سواءٌ في زيِّ مُعلّمٍ، أو ثوبِ صديقٍ.
هذا الصِّنف المتشائم المشئوم لا يخلو عنه مدرسةٌ، و جامعةٌ، و مؤسَّسةٌ، و مُنظّمة، و شرِكةٌ.
و لكن خَطَره على الناشئةِ الكُتّاب و أقلامِهم الواعدةِ و مواهبهم المكنونةِ أشدُّ و أعظم.
و أكثر من يَصيرُ عُرضةً لداءِ الإحباط النفسي هو "الناشئ المُبتدئ" لأنّه يكون غضّ المنبت، طريَّ النشأة، ناعِم الأنامل، خفيف الاحتمال، ضعيف التماسك، واهنُ الثقة بالنفس.
لا شي أضرّ على الناشئ في مشوارِ الكتابة من التثبيط الذي يُعرّضه للإحباط و الركود .
لأنّ هذا الإحباط
يُقحِمه في نَفَقٍ مُظلِمٍ ليس إلى خروجٍ منه سبيلٌ. فيلقى فيه حتفَه المحتوم.
إذا فرضنا أن الكتابةَ غَرسٌ فالإحباط عاهته التي تهلك الحرث و النسل. و إذا قلنا إنها ثمَرٌ فالإحباط سُوسُه الذي يأكلُه من داخلِه رُويدا رويدا، حتى يعودَ متآكلًا خاويًا.
و الإحباط النفسيّ يُولّدُه "التثبيط".
التثبيطُ يُحوِّل الطالبَ الناشئ الطموحَ المُجدّ إلى كائنٍ مُحبَطٍ مُنهارٍ، يخّالُ نفسَه لا ينفع في شئٍ.
التثبيط يحوّل رغبةَ الناشئ من شُعلة نارٍ إلى رَمادٍ من هشيم.
التثبيط يُميت الطاقات المتوقّدة، و يجفّف ينابيعَ المواهب الصاعدة.
الناشئ المُعرّض لسهامِ التثبيط القاسية شقيٌّ مظلومٌ ، مبخوسُ الحقّ، مكسورُ القلبِ، مهزومُ النفس. و لكن لا يستشعر حالتَه النفسية إلا قِلّةٌ من الناس. و أقلّ منهم من يُواسي قلبَه المكلوم، و يثبِّتَ عزمَه المتهاوي المكروب.
كلمةُ تثبيطٍ واحدةٌ ! و لكنّها قد تفعَل في ذهن الناشئ المسكين ما يفعله الرصاص في المُخّ.
الرصاص يقتل جسدا من دمٍ و طينٍ، و سهمُ "التثبيط" يقتلُ روحًا مِن أَمَلٍ و حنينٍ. و هي روحُ الكتابة.
كلمةُ تثبيطٍ جارحةٌ تُصيبُه في الصميم.
تجرح أولًا شعورَه،
ثم تُدمي رغبتَه، فيسيل نزيفُ أملِه و طموحِه دمًا،
و لا يبعُد أن يقتل فيه "الموهبةَ" التي هي بالنسبة لكاتبٍ حياةٌ يحيا بحياتِها، و يموت بموتها.
فلا تموت فيه روحُ "الكاتب" المكنونة فحسب، بل يموت معها صوتٌ لِحقٍّ، و هُتاف لمجدٍ، و لسانٌ لصدقٍ، و حامٍ لعِرضٍ، و رائدٌ لِجيل، و مُصلِح لشعبٍ، و قائدٌ لأمةٍ.
إذن سرُّ المشكلة هو هذا "المثبّط" الذي يُفقِد الكاتبَ الناشئ ثقتَه، و يسلبه عزيمتَه، و يطفئ فيه جذوةَ التطلع، و التقدم إلى الأمام.
"المُثبِّط" أكبرُ مجرِمٍ بحقّك أو بحقّ أبنائك، و لو تمثّل لك في زِيِّ أستاذٍ، أو ثوبِ صديقٍ، أو عَباءةِ رئيسٍ.
و لا تستطيعُ التقدم ما لم تتخلص منه.
"المثبّط" لا يُحسِن سوى تفقّدِ مواضعِ الضَّعف، و الحَوم حولها، مثلَ الذباب تمامًا لا يقعد إلا على الخَبث..
"المثبّط" يضع على إحدى عينيِه منظارا أسود، لا تبصر إلا الشرّ.
"المُثبِّطُ" قاتِلٌ دمويٌ للرغبة و الأمل، و عدوٌ لَدودٌ للهمة و العزيمة. يُهدِرُ المواهب الواعدَة، و يقتلها قبل أن تنبت و ترى نورَ الوجود. و لكنّه قاتلٌ ناعِمٌ و خفيٌّ، لا تُدركه أبصارُ الرؤوس.
"المثبِّط" يضَع العصيَّ في عجلة الطموح، فيوقِفُها من التقدم.
و هو يقتُل جِيلا من الكُتّاب و الأدباءِ و الزعماء و روّاد الغد بالسمّ الذي ينفثُه.
يدُه ملطّخة بدماء الآمال الناعمة، و الأماني البريئة، و الأحلام النزيهة.!
فليحذَر الناشئة الذين يحلُمون لأنفسهم بمستقبَلٍ كتابيٍّ مرموق أن ينالَهم سُمُّ هؤلاء المثبّطين، و لْينأَوا بأنفسِهم و أقلامِهم عنهم، قبلَ أن يفوتهم الأوان، و هم لا يشعرون..!
عبدالوهاب سلطان الدِّيروي.
حَصَاد اليوم: 9 ذو القعدة 1441ھ

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق