مع كل هبّة ريح
مع كل صباح تنفّس ... وكل قطرة ندى علقت على الأغصان ، ومحت بقايا الغبار عن الأوراق ...
مع كل نبتة غضّة ثائرة احتضنتها تربة صافية ، وكل زقزقة نقيّة أطلقها عصفور حديث الولادة ...
مع كل حرف قيل أو رسم قبل التاريخ وبعده ...
تتشكل حكايا البشر وتتلوّن رواياتهم...
تقرأ نظرة عيونهم، وملامح وجوههم... ولغة جسدهم ...فتفهم ماهيّة واقعهم...
فتجد منهم الطموح المثابر.... من خلق ليكون مثلا أعلى لغيره... مَن لم تستطع الحياة سلبه دافعيته وحماسته ، من لم يفارقه شغفه للتحليق في السماء مترامية الأطراف .
ومنهم من كانت روحه مهمومة منطوية على ذاتها... تجر أذيال الغربة والعزلة... تمثال متحف متسمّر في مكانه دون حراك .
وكذلك تجد تلك الفئة غير العابئة بكل ما يدور حولها.... وكأنهم طبول جوفاء لا قيمة لها ولا وزن... وهم في أدنى منازل التفاهة والجهل
.....
يوقظها صوت المنبه صباحا، تطفئه مرارا بسبب سطوة النعاس، تفرك عينيها بيديها، محاولة إزاحة تلك الغشاوة التي استلقت فيهما منذ حين.
تمارس طقوسها الصباحية المعتادة، ثم تبدأ رحلتها خارجة من قوقعتها، تجوب الشوارع والأزقة، الدروب والأحياء، تلتقط صورا لكل ما تصادفه، صور بعين محترف، ترصد عدستها عيون الناس وحركاتهم، إشاراتهم وإيماءاتهم ، حتى انفعالاتهم، تلمح حركة ورق الشجر، تختلس بسمة ارتسمت على وجه حيوان أليف، تركز على أبسط التفاصيل وأدقها، فكل منها يحمل حكاية..
وفي كل حكاية عبرة..
نريمان نزار من كتابي ( وهم السعادة )

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق