الجمعة، 17 يوليو 2020

#مع_ابن_خلدون_في_تقييمِه_لأصول_الأدب! بقلم الأستاذ عبدالوهّاب سلطان الدِّيروي.باكستان


#مع_ابن_خلدون_في_تقييمِه_لأصول_الأدب!

طالَما وقفتُ من تقييم ابن خلدون حين يحدّد أركان الأدب العربي موقفَ الطالب الحائر من أستاذِه، يؤمن بصدق ما يقوله، و لكن لا يرتقي فهمه إلى إدراك مغزاه.

أما ابن خلدون فهو ذلك العالم الموسوعي و المؤرخ العمراني الأديب. وصاحب المدرسة الخلدونيّة الأدبية.

وأما الدواوين الأربعة فهي معروفة بين أهلها.
وهي - لمن لا يعرفها- :
« أدب الكاتب » لابن قتيبة، وكتاب « الكامل » للمبرد، وكتاب « البيان والتبيين » للجاحظ، وكتاب « النوادر » لأبي علي القالي البغدادي
وما سوى هذه الأربعة فتبع لها وفروع عنها "

هكذا ساقها ابن خلدون في مقدمته.

قد اطلعتُ عليها في مكتبة دارالعلوم كراتشي العلمية الزاخرة. راجعتُها أيام أتى القلب هوى اللغة العربية فشغفته حبّا.
وكنتُ غضًّا ناشئا - ومازلتُ- لم أعِ منها شيئا، ولكني أبيتُ أن أتخلّى عنها ما لم أجد عليها سبيلا.

كان كلّ ظنّي في هذه الأركان الأربعة أنها لابدّ تكون بمثابة "الكتاب الأساسي في الأدب" أو أشبه شئٍ ب"دليل الأدب" الذي يحتوى على وصف الأديب و الأدب، و الفصاحة و البلاغة و حدودها و تعاريفها، شروطها و أركانها و مقوماتها، و طريقة تحصيلها،
تمامًا كما عهِدناها مع المناهج الأساسية لِفنون النحو والصرف والبلاغة.
نبدأ الدرس فيها بالحدّ التامّ غير الناقص للعلم،
ونُثنّيه بقيوده الاحترازية وجودا وسلبًا،
ونُثلّث بأركانِه، ثم نعرّج على شروطه، وأركانِه، إلى أن ينتهي الكتاب، والكل يخرج منه بقدر نصيبِه و وِعائِه.

هكذا كان ظنّي في هذه الأركان الأدبية العملاقة، زعمًا مني أن هذه الأمور هي التي تصنع الأديب وتخرّج اللغوي وتكوّن الكاتب.

وعندما تقدّمت في المشوار الدراسي، وأصبحت أعي غيضا من فيضها، وجدتُها لا تذكر بين دفّتيها شيئًا من هذه الأمور.

إنّما هي أخبار العرب و أيامهم، أمثالهم و محاوراتهم، قصصهم و طرائفهم، عِبرهم و فوائدهم ، و أحاديثهم على موائدهم و أسمارهم و أباطيلهم في أنديتهم و مجالسهم. سواء في ذلك النثر و الشعر.
فلا هي تصِف الأدب و الأديب و لا هي ترسم حدود الفصاحة و البلاغة..!

طبعًا، إذا استثنينا ما ذكرَها ابن قتيبةَ في "أدب الكاتب" فصولًا من صناعة اللغة والكتابة والإملاء.
وإلا ما جاءت مِن وصايا لِلكُتّاب والأدباء عند الجاحظ في غضون "البيان"، و عند المبرّد في تضاعيف "الكامل" نُتَفًا شذَرَ مذَرَ.

فكيف أصبحتْ إذن أركانا للأدب و هي لا تعرّف بالأدب و شروطه و مواصفاته.؟ و كيف عُدّت من أمّهاته وهي لا ترسم لنا الحدود العلمية للأدب، ولا تعرفنا بالمعالمَ الادبية الفنّية، في أسلوب علمي منتظَم ؟.

وقفتُ -بکلّ علّاتي- موقفَ الحائر –بله الشاكّ- من تقییم ابن خلدون العظيم بكل عظمته و عليائه في محراب الأدب و التاريخ و العمران و ما إليه..!.

و لکن دعوني أخبّركم أنّي علمتُ أخيرا سّر ذلك، و جزى الله تعالى أستاذا كان سببا في استلهامي هذا السرّ من بعض محاضراته.

و لم يكن مجرّد سرٍّ بالنسبة لي بل كان بابا من العلم تعلّمته، و رسالة قوية للناشئة المتأدبين من أمثالي استفدتها.

و السرُّ -إذا صحّ اعتباره سرًّا- أنَّ كلَّ ركنٍ من أركان الأدب الأربعة يرمُز أساسا إلى "القراءة".
لأنَّ الأديب لا يصنعه إلا القراءة. والكاتب لا يصنعه إلا القراءة !
ولأنّ "القراءة" هي الشرط قبل الشروط، وهي ركنُ الأركان.

و لكن ما ذا يَقرأ ليُصبح أديبًا أو ليصير كاتبا..؟. هنا جاء ابن خلدون ليجيب عن هذا السؤال و لكأنّي به وهو يقول :

"اقرأ واقرأ واقرأ واقرأ، وابدء قراءتك من هذه الأركان الأربعة التي تحوى دفاتر العرب.
اقرأ أخبارَ العرب و أحاديثَهم. اقرأ نثرَهم و شعرهم. فالقراءة الدائبة فيها هي التي تفتق القريحة الكتابية. و القراءة الدائمة هي التي تفجّر الملكة الأدبية.

وتوثّقتُ من هذا الرأي أكثر عندما رأيت ابن خلدون يضيف إلى هذه الأركان الأربعة كتابا آخر، وهو كتاب "الأغاني" للأصفهاني. ولنقف مع سماحته كيف يصفه لنا في مقدمته:

(ولعمري إنه ديوان العرب وجامع أشتات المحاسن التي سلفت لهم في كل فن من فنون الشعر والتأريخ والغناء وسائر الأحوال ولا يعدل به كتاب في ذلك فيما نعلمه، وهو الغاية التي يسمو إليها الأديب ويقف عندها وأنى له بها) اه. (مقدمة ابن خلدون، 555 الخ)

حينَها علِمتُ أن الأركان الأربعة للأدب العربي ليست إلا منهجًا مقرّرا من المقروءات النثرية و الشعرية لتقرأها عن آخرها و تكوّن بها أساسك اللغوي و الأدبي.
وليست هي الغاية. و الطريق إلى الغاية التي يسمو إليها الأديب إنما تمرّ من خلال دواوين العرب.

وحينَها أدركتُ أن كلّ ركنٍ من أركان الأدب الأربعة يرمُز أساسا إلى القراءة.

و حينَها فهمتُ جُمّاع كلام ابن خلدون، و هو أن أركان الأدب في الحقيقة هي:
" القراءة و القراءة و القراءة و القراءة".

و ليست هذه الأسماء الأربعة بالتحديد.
فإنها "فاتحة" قبل "القراءة" و ليست القراءة كلها..!

عبدالوهّاب سلطان الدِّيروي.باكستان
حَصاد اليوم:24 ذوالقعدة. 1441ھ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مجلة وجدانيات الادبية (( نبقى أوفياء )) للشاعر حسان ألأمين

نبقى أوفياء مشينا دروب الوفاء و لم ينهكنا التعب و مهما قالوا عنا لا يهمنا من لامنا او عتب كم من حكمة في الوفاء قيلت و كم من الأمثال فيها ضُر...