الاثنين، 22 يونيو 2020

*** من قطرات مطر *** بقلم الكاتبة المتألقة فنن الزيتون

*** من قطرات مطر ***


وقفت وراء النافذة ترقب قطرات المطر, و هي تتدحرج على زجاجها الشفاف مخلفة عليها


مسحة من الضباب منعتها من رؤية ما وراءها من مناظر لأغصان الشجر التي تتمايل بفعل


الريح الهابة على المكان.


امرأة على أبواب الخمسين, تلاحق بأناملها الرقيقة قطرات من المطر, و هي تنزلق سريعا و


تتلاشى , يطغى على ملامح وجهها براءة و عفوية صبية في مقتبل العمر, تحاكي جمالا غير


اعتيادي, ترتدي ثوبا طويلا بلون السماء موشى باللون الابيض ومطرزا بزهور بيضاء لامعة


غارقة في اللون الازرق... على كتفيها شال من الصوف الزهري معقود بخرز لؤلؤية ناعمة


ينسدل شعرها الكستنائي باسترخاء عليه؛ يضفي على وجهها جمالا ونعومة اكثر.. تتأمل


بحنان الخاتم الماسي في يدها اليسرى هو الأغلى على قلبها من كل ما تملك؛ ذلك لأنه خاتم


زواجها من الرجل الذي تحب.


أخذتها الذكريات بعيدا فشخصت ببصرها خارج النافذة الى أبعد نقطة تصل اليها عيناها ..


تحدث نفسها :


- أووه! من يصدق أن كل هذه السنين قد مرت, و أصبحت ماضيا في حياتي, لكنها تعيش معي كأنها حدثت بالأمس..


و صوت القطار ينذر بالتوقف في محطة نزولها, و هي تنظر من خلف النافذة الى قطرات


المطر المتساقط بغزارة خارجا, أمسكت حقيبة يدها وعلى عجل لملمت بعض أغراضها التي


كانت بجانبها, كانت كثيرة بحيث لم تستوعبها يداها فسقطت الحقيبة منها دون أن تشعر و


هي تجري مسرعة الى الباب للنزول ..


نزلت و سارت باتجاه إحدى المظلات القريبة للاحتماء من المطر, بانتظار عربة تقلها الى


مكان سكناها..


- أيتها السيدة... (صوت من خلفها ينادي عليها أكثر من مرة, في بادئ الامر لم تكن تظن انها هي المقصودة )


لكنّ النداء ظل يتكرر ثانية و ثالثة :


- أيتها السيدة, أيتها السيدة معذرة هذه الحقيبة قد سقطت منكِ ولم تنتبهي لها!


التفتت الى مصدر الصوت فرأت حقيبتها في يد رجل و بنظرة سريعة تفحصت حاجياتها فلم تجد الحقيبة بينها, فعرفت أنها هي.


- معذرة منك, لم التفت كنت مشغولة بالتفكير في الوصول الى مسكني وسط هذه الاجواء فغفلت عنها


أشكرك كثيرا و أشكر حرصك و اهتمامك سيد ...


- حامد, حامد عبدالكريم


- أهلا ,تشرفنا.. اشكرك كثيرا سيد حامد


- لا شكر على واجب سيدتي


ناولها الحقيبة فاستدارت لتكمل طريقها.. استدرك كلامه قائلا:


-هل تسمحين لي أن أقدم لكِ خدمة؟


حامد( رجل في الثلاثين من العمر, يظهر من كلامه, و طريقة حديثه لباقة و ثقة تنم عن ثقافة


و علم و معرفة و شخصية متمكنة , انيق الهندام , حسن الذوق , وسيم الشكل...)


أجابت و هي مرتبكة لا تعرف هل توافق أم لا؟ فالمطر لازال يتساقط ( يبدو أنه لن يتوقف)


بنظرة حائرة منها , عرف أنها بحاجة لمساعدته


- حسنا, دعيني أحمل عنك بعض هذه الاغراض


- شكرا, شكرا , أخشى أن أسبب لك ازعاجا؟


فوقف هنيهة و نظر اليها مبتسما دون أن يتكلم


- دعينا نمضي من هنا و نبحث عن عربة تقلنا, و لكن لم تقولي الى أين؟


- الى سكن المعلمات, و أعتقد أن أغلب سائقي المنطقة يعرفون أين هو ( إنه في الجهة الشرقية )


- هذا يعني أنكِ معلمة؟


- نعم.


- لم أركِ من قبل, هل انتقلتِ الى هنا حديثا؟


- انا هنا قرابة العام, لكنها المرة الاولى التي أذهب فيها الى مدينتي في هذا الوقت من السنة إذ كنت على عجلة من امري.


- أظن اننا وجدنا من يقلنا .. تفضلي بالصعود, و أنا سأضع الاغراض في صندوق العربة.


ركبا, وسارت بهما الى أن وصلا الى السكن.


- ها نحن قد وصلنا


شكرته كثيرا على نبله و كرم خلقه و ودعته..


من الخارج رأت بعض صديقاتها يرقبنها عبر النافذة


عندما دخلت عليهن ابتسمن في وجهها


- وفاء, حمدا لله على سلامتك , لقد أصابنا القلق عليكِ!


- شكرا, الحمد لله اني وصلت بخير و في الوقت المناسب, لقد اعاقني المطر, و لولا وجود هذا السيد لما استطعت المجيء الان ..


دخلت لترتاح, فقد كانت متعبة من الرحلة, و لكن ما ان وضعت رأسها على الوسادة حتى


شخص في بالها منظر السيد حامد و صوته و هو يناديها..


- أوه, نعم يا له من انسان نبيل, ابتسمت في سرها : يا ترى هل سأراه مرة اخرى؟


أغمضت عينيها و أخلدت الى النوم.


في اليوم التالي حدث شيء لم تكن تتوقعه؛ اثناء الدوام وخلال الدرس سمعت صوتا بدا لها


مألوفا و كأنها سمعته قريبا, كان يتحدث مع مديرة المدرسة حول أمر لم تستبن ما هو ,


أصغت السمع جيدا


- من؟ لا يُعقل هذا!


نحّت الستارة جانبا عن النافذة, و أخذت تمعن النظر حيث كان المطر قد أضفى ضبابا خفيفا


على الزجاج ..مسحت بيدها دائرة صغيرة كانت كافية لأن ترى من صاحب هذا الصوت ..


- السيد حامد! نعم, إنه هو .. تُرى ما الذي أتى به الى هنا؟!


أخذت تتساءل في نفسها : هل نسيت شيئا في العربة البارحة؟ هل عليّ أن أذهب لأسأل؟ هل


أخرج أم..؟ لا, لا, لأنتظر قليلا و أرى ..


في خضم هذه الاسئلة رنّ جرس الاستراحة؛ خرجت من قاعة الدرس الى غرفة المعلمات


,مرت بهما, ألقت التحية عليهما


- صباح الخير ..


ردت المديرة التحية : صباح النور ست وفاء.


عندما رآها؛ ابتسم و قال: صباح النور أستاذة.


استأنفت سيرها فسمعت المديرة و هي تحدثه : نعم سيد حامد, ما رأيك فيما طرحت عليك من مشروع عمل تستطيع القيام به هنا؟


- سأبذل قصارى جهدي حتى أخرج العمل بالشكل الذي تريدين حضرة المديرة.


- واثقة من ذلك فالكل هنا يعرف مهارتك, و جدارتك في هذا المضمار.


منذ ذلك اليوم عرفت وفاء شخصية هذا الرجل وعمله؛ حينما طرحت المديرة في اجتماعها مع


المعلمات ما عليهن فعله مع الطالبات لإنجاح العمل الذي سيقوم به السيد حامد المهندس


المشرف مع كادر عماله في ترميم و إعادة بناء بعض جوانب المدرسة.


شعرت وفاء بارتياح وسرور داخل نفسها... تساءلت باستغراب


- لماذا؟!


و من هنا بدأت قصة التعارف و اللقاء بينها و بينه من خلال تواجدهما معا داخل المدرسة.


اليك عزيزي القارئ الفرصة السانحة لأشغال ذهنك عن كيفية اللقاء و المدة الزمنية التي


استغرقها و كيف وصلا الى النتيجة الحتمية لهذا اللقاء؛ و هي العيش تحت سقف واحد في


رباط مقدس أبدي. لن أخوض في التفاصيل فأنت تمتلك من الذكاء ما يكفي لصياغة الاحداث


كما يحلو لك.


بعد مرور 25 سنة ...


ممر صغير يقود الى حجرة بابها موارب, غرفة بناؤها حديث الاّ إنها تحمل من الرسوم


واللوحات الملونة تحكي زمنا لم يمض عليه طويلا, ترتيب تلك الأغراض تدل على ذوق فنان


حساس لكل لحظة والتفاتة؛ الاشياء منظمة بنعومة و لطافة و كأن ساكنها أو من سيقطنها


امرأة..


يتوسط الحجرة مكتب من الخشب البني الفاتح موضوع عليه قطعة صقيلة من الزجاج, يجلس


خلفه رجل يبدو من ضربات للشعر الابيض المتناثر بعمق في مكان و آخر خفيفا في أماكن


أخرى, قد وضع رأسه على طاولة المكتب واستسلم لإغفاءة دون أن يشعر بما يدور حوله,


حيث أثقل رأسه التعب


- حضرة المهندس, حضرة المهندس استيقظ من فضلك


- هاا, ماذا تريد؟ ماذا هناك يا حاج ابراهيم؟


- استيقظ يا بني يبدو أن التعب قد أخذ منك مأخذه


- معذرة, هل كل شيء على ما يرام؟


- نعم , لقد انتهينا تقريبا و لم يبق إلّا القليل.. سأكمله غدا في الصباح الباكر قبل أن


تأتي السيدة وفاء.


- و كم الساعة الآن؟


- قرابة الحادية عشرة


- أووه. لقد تأخر الوقت بنا.


أغمض عينيه بقوة و فتحهما ليبصر أكثر


- عليّ أن أذهب بسرعة, لقد وعدت وفاء أن أعود باكرا هذا المساء.


- إنها تمطر بغزارة (قالها الحاج ابراهيم وهو يزيح الستارة)


فتمعن حامد بالنظر و قال:


- نعم, و لكن يجب علينا الذهاب


- انتظر قليلا ..! لقد أعددت لك فنجان قهوة لتستعيد نشاطك


- حسنا و أنا سأغسل وجهي


بعد أن شرب القهوة


- هل تأكدت من اقفال جميع الابواب و النوافذ بشكل محكم خشية أن تعبث بها الريح؟


- نعم, حضرة المهندس


ركبا السيارة معا


- كنت أتوقع أنها ستمطر هذا المساء منذ خروجي من المنزل فقد كانت السماء ملبدة بالغيوم..


- على مهلك يا بني فالشوارع قد غطتها المياه و أخشى أن تنزلق السيارة..


- نعم حاج ابراهيم معك حق.


وصلا الى منزل الحاج ابراهيم


- يا حاج خذ هذه المظلة معك أنها في المقعد الخلفي كي لا تبتل , سبحان الله لقد وضعتها


وفاء قبل يومين هنا, و قالت إنك ستحتاجها.


- شكرا لك يا بني, رافقتك السلامة و ابلغ السيدة تحياتي و اشكرها بدلا عني.


بعد أقل من ساعة, وصل حامد بصعوبة الى البيت..


هي لا تزال واقفة خلف النافذة, تتصفح الذكريات صفحة تلو الاخرى ما كان مؤثرا في نفسها


كان هو الابرز, استرسلت طويلا لكن صوت سيارة حامد قطع عليها شريط الذكريات.


- يا الله كم الساعة الان .. كم مضى من الوقت و أنا بقوارب الحنين عبرت تلك السنين؟


حاول فتح الباب بهدوء خشية أن يوقظ وفاء في هذا الوقت المتأخر ظنا منه إنها قد أخلدت


للنوم.. خطى خطوات قليلة, فسمع صوت أقدامها على السلّم


- مرحبا حامد ( بلهجة شبه غاضبة خفت حدتها ما أبدته من دلال أمامه)


كنت قلقة عليك, هيا ادخل فملابسك مبللة تماما, أين المظلة؟


- ليس كثيرا .. لكنه كان طيعا و استجاب لها في الحال كي يضيع عليها فرصة عتابها عليه , ما شجعه على الكلام أكثر أنها صمتت.


- و الآن اخبريني ما هذه الاضاءة و الأزهار التي عبق عطرها المنزل؟


أوووه, إنه فستان جميل و الاضواء المنعكسة عليه, و شعرك المنسدل جعلكِ أكثر جمالا


و أناقة حبيبتي, صورتكِ هذه هي نفس الصورة التي رأيتكِ فيها أول مرة في عربة القطار..


- و هل تذكر؟


- أذكر! إنها مطبوعة في ذاكرتي تكاد لا تفارقني


وفاء ارتفع صوتها بالضحك لكنها أعادت تقطيب جبينها عمدا


- هذا الغزل لا يغير من الامر شيئا و أنا أصر على زعلي


- ماذا؟


- لقد وعدتني أنك ستأتي باكرا هذا المساء؟


- سيدتي الجميلة, دعي العتاب جانبا, و اخبريني عن سبب كل هذا التغيير في المنزل .. ما هو؟


أمسكت بيده و أخذته الى غرفة الجلوس و أشارت بأصبعها الى التقويم المعلّق على أحد جدرانه.


- انظر, ستجد الاجابة على سؤالك..


- آه, صحيح لقد تفوقتِ عليّ هذه المرة .


- كما في كل مرة يا عزيزي (مع ابتسامة اتسعت حتى اصبحت ضحكة)


- ههه تطلقين الاحكام الظالمة سلفا يا وفاء و لا تتركين لي الحق في الدفاع عن نفسي, تسرعكِ هذا سيحرمك من الهدية التي أعددتها لكِ..


- هدية؟!


- هدية و مفاجأة هذه المرة.


- أهاا


حدّق في وجهها و أطال النظر


- كم مرَّ من السنين على ذلك اللقاء في ذاك الوقت عندما بدأنا نتنفس الحياة سوية


وتقاسمنا اللحظات معا بالتناوب؟


كنت أحدث نفسي في كل مرة و أنا ذاهب للعمل :


هل سأراها اليوم ؟ بدأتِ تلازمينني كظلي!


العالم يمرون امامي جيئة و ذهابا, لكن فكري انتزعكِ من تلك الصور و أبقى صورتكِ فقط ..


و الكثير الكثير..


كانت تنصت اليه بشغف و هو يحدثها عن تلك الذكريات..


- لقد كبرنا .. ثم توقف. استدرك كلامه


- أقصد أنا كبرت لا أنتِ حبيبتي


- لا, ليس كثيرا


- لا يهم ذلك, المهم اننا و بعد مرور تلك السنين و العقبات التي اجتزناها, ما زلنا مع بعضنا ننعم بالصحة و راحة البال.


فنظر اليها خجلا , فهمت معنى تلك النظرة..


- سأقدم لكِ هدية, أجدها متواضعة.


- وجودكَ معي هو أعظم هدية أهداها لي القدر.


- القدر أم المطر؟


- الاثنان معا.. ههه


استغرقا في الضحك والمزاح و ايقظا بعض الذكريات التي كانت هنا و هناك, و اللحظات التي


ربما انطوت في خضم دورة الزمن و صارت شبه منسية لكنها جميلة لأن بقاءها هو في تلك


الجزئيات الحية منها.


قبل أن يخلدا للنوم و كان الوقت قد قارب طلوع الفجر


- لم تسأليني هذه المرة عن الهدية ؟


- الأحداث التي ذكرتها أشعرتني أنها ما تزال حية أتحسسها أكثر من قبل .. أقول يكفيني أن تكون هي هديتي..


- سنخلد للنوم الان وغدا أريكِ إياها.


و عند الصباح أفاقت وفاء و أسرعت الى حديقة المنزل بعد أن هدأت العاصفة و توقف المطر


عن الهطول تتفقد أزهارها التي كانت مزروعة في باحته, وقع نظرها على إحدى الزهرات


- سأقطفكِ أيتها الرقيقة و أقدمكِ لأغلى انسان على قلبي؛ ليفتح عينيه و يُسر عندما يراكِ أمامه ( كانت تحدث أزهارها كما لو كانت كائنا حيا معها) .


أسرعت الى حامد وبيدها الزهرة ..


- استيقظ يا حامد, هيا لقد بدأ النهار


- اتركيني قليلا يا وفاء فأنا متعب, و أحتاج المزيد من النوم


- لكنك وعدتني أنك ستريني المفاجأة, فأين الوعد؟


- قلت لك اصبري قليلا, لقد انتظرت عاما كاملا و لن تستطيعي الانتظار لساعات؟


- عاما كاملا!


- نعم, أ كنتِ تظنين أنني لا أرقب تصرفاتك و تساؤلاتك التي تخفينها عني, و سبب عدم


وضوحي معكِ في الفترة السابقة؟ لقد كنت أقرأ كل تلك التساؤلات , في بعض الاحيان كنت


أشفق عليكِ و أفكر بأخباركِ, لكني أقول في نفسي لما لا اجعلها مفاجأة لها؟


- مفاجأة! لقد شوقتني كثيرا


- هل تناولتِ فطوركِ


- لا, انتظرتك هيا انهض لنتناوله سوية


- انا اكتفي بكوب من الحليب الدافئ و بعض قطع من الكعك


- شهيتي مفتوحة للطعام هذا الصباح و اعتقد انني سأتناول الكثير منه, وبينما انهي فطوري


عليكِ أن تجهزي نفسك للخروج..


- هل سنخرج في هذا الجو؟!


- نعم, علينا أن نستقل السيارة للذهاب الى مكان تحبين رؤيته!


- هذا يعني إن الهدية خارج المنزل؟


- نعم, و أنتِ من ستقودين فاليوم هو لكِ بكل ما فيه.


- المفاجأة لي و أنا من يقود .. يا سلام يا حضرة المهندس ( هزت رأسها موافقة)


لكن أجرتي مضاعفة و اتبعتها بضحكة خفيفة..


تبسّم حامد ضاحكا و أخذ بيدها و خطى نحو السيارة , فتح لها الباب و انحنى أمامها


- تفضلي يا ملكتي


- لقد أخجلتني يا حامد


- حقا! لا أرى ذلك , أرى فقط السعادة على وجهكِ و نظرات التساؤل تملأ عينيكِ ترى ماذا تقول؟


- و كيف عرفت؟


- سآخذك الى مكان كنا نرتاده, و كنت تحبين الذهاب اليه كثيرا و منذ أكثر من سنة انقطعنا عنه!


هيا, هيا اركبي و لا تضيعي الوقت.


- انطلقا في رحلتهما, كانت وفاء مستغربة إنهما يغادران المنزل في مثل هذه الظروف


و بعد ليلة ماطرة و كانت الرياح قد غيّرت بعض الاشياء في معالم المدينة و شوارعها, لكن


الشمس بدأت تستعيد نشاطها و همت بالشروق , ساعدتها الريح حيث أنها أزاحت بعض


الغيوم المتبقية..


فبدا النهار أكثر انارة وبهجة, قد شعر كلاهما بنوع من الراحة و الانبساط يخيم عليهما و في


ضوء ذلك لم يثنهما عن سرد بعض الاحاديث التي تحكي قفشات و ومضات صغيرة مرا بها


في السابق, فقد ازداد حنينهما لتلك الايام و بالرغم من أن السيارة انطلقت مسرعة لكنها بدأت


تهدأ مثلما هدأ الحديث بينهما..


أخذ الصمت يلف الأجواء مرة أخرى, قطعاه معا حيث نطق كل منهما باسم الاخر في وقت واحد ..تبسما


- قل ما تريد عزيزي


- التفت اليها يحدثها: أ تعرفين أنني كنت أجلس في الجهة البعيدة من النافذة في عربة


القطار عندما دخلتِ اليها, رفعت رأسي فوقع نظري عليكِ, و أنتِ تحملين تلك الاغراض التي


لم تحتوها يداك الا بصعوبة, هممت بمساعدتك؛ عاقني التردد والخجل منكِ.. و قلت في نفسي


لماذا توانيت عن مساعدتها؟ وطوال فترة وجودنا في القطار كان رجائي أن أقدم لكِ يد


المساعدة فيما تحتاجينه


- أووه, تتذكر تلك اللحظات جيدا .. تملك ذاكرة قوية..


- بالطبع يا عزيزتي, فهي اللحظات التي رأيتكِ فيها لأول مرة..


و كانت سعادتي حينما توقف القطار و هممتِ بالمغادرة سقطت منك حقيبة يدكِ, عندها وجدت


الفرصة سانحة لأتقدم لكِ و أحادثك والتفاصيل اللاحقة.. أنتِ تعرفينها جيدا, و أنا منذ ذلك


اليوم أشكر الحقيبة هههه ( ضحكة اطلقها حامد)


- لم تقل لي عزيزي الى أين المقصد؟


- الى البحر يا عزيزتي, أ لم تشتاقي اليه؟


- بالطبع, و خاصة و أنا معك و في هذا اليوم الجميل ,, اذن عرفت العنوان.


- اتجهي مباشرة اليه.


وصلا الى مشارف البحر و نزلا من السيارة و تقدّما باتجاهه


- آآه, ما أطيب نسائم البحر بعد هطول الامطار, و هذه الرمال الندية و هي تفوح برائحة الربيع!


- و الآن استديري لنذهب بهذا الاتجاه..


- أي اتجاه.. و الى أين تريد أن تأخذني ؟


- تريدين أن تغمضي عينيك الان أم عندما نصل ؟


- نصل!


- أجل, نصل.


- سأغمضها الان, و وضعت يدها في يده.


- حسنا, سنسير قليلا .


فتح يدها, و وضع مفتاحا فيها؛ تحسسته..


- ما هذا يا حامد؟ مفتاح! مفتاح أي شيء؟


- مفتاح بيتكِ الجديد يا وفاء.


وقفا أمام بناء جديد .


- الان افتحي عينيكِ لترين المفاجأة.. هيا افتحي الباب


- فتحت عينيها و إذا هي أمام بناء كبير صمم حديثا, و قد طُلي باللون الابيض الناصع


وعليك ايها القارئ العزيز أن تتخيل هذا البناء!


دخلت وفاء وقد علت الدهشة وجهها


- انها حقا مفاجأة سارة , أ هذا البيت لنا؟!


- نعم, إنه لكِ هدية ذكرى زواجنا الخامس والعشرين.


- أ تقصد اننا سننتقل الى هنا, الى هذا البيت؟


- شيء من هذا القبيل.


- لكنه كبير علينا و بيتنا جميل و يكفينا؛ تفاصيل حياتنا مطبوعة على أنفاسه, وفي كل


زاوية من زواياه كانت للحياة التفاتة فيها.. أنا أعشقه و أصبح جزءا مهما في حياتي..


حديقتي, أزهاري و شرفتي التي تطل على الشارع طالما انتظرتك عندها, أوراقي الملونة


و رسوماتي البريئة المعلّقة هنا و هناك, كيف تريدني أن أترك كل هذا و أبدله بمكان آخر؟!


- لكن يا عزيزتي هذا المكان هو ثمرة تلك الحياة السعيدة التي عشناها سوية, ولابد لنا


أن نقتسم تلك الثمرة مع البقية.


- البقية!!


- أقصد اننا سنجعل من هذا المنزل المتواضع مأوى للأطفال الذين فقدوا ذويهم أو من


يعيلهم, سيكون هذا المكان ظلا يستظلون به و منطلقا صحيحا لحياتهم و أساسا قويا لبناء


مستقبلهم, كل واحد منهم لديه مواهب و طاقات يمكن استثمارها, لماذا نتركها تضيع على


أرصفة الشوارع, و توأد أحلامهم قبل أن ترى النور, أظننا نستطيع أن نحمل جزءا من


المسؤولية تلك.


- هل فكرت في الامر مليّا؟


- نعم يا عزيزتي, ما المانع أن نهب لهؤلاء حياة جديدة ربما يكون الله قد جعل هبتها في أيدينا .


- لكن يا حامد من أين لك هذه الفكرة, و كيف خطرت ببالك؟


وهما يسيران في فناء المنزل لفت انتباه وفاء تنظيم الحديقة و طريقة تنسيق زراعة الازهار فيها


- ما هذه؟ إنها نفس الازهار التي كانت مزروعة في المدرسة حيث كان لقاؤنا الثاني.


- نعم, اقول لكِ سرا؟


- يبدو أن لديك كثيرا من الأسرار التي لا أعرفها وتخفيها عني!


ضحك حامد و أردف قائلا:


- في الايام التي كنت أعمل فيها في مدرستكِ, حاولت أن أجلب انتباهك لشيء. فكرت


في الكثير من الامور لكن لم يسعفني تفكيري في ذلك الوقت و الأيام كانت تمضي و في إحدى


المرات و أثناء عودتي من العمل مررت ببائع زهور فأعجبتني أزهاره, لكن ما شدّ انتباهي


هو أن البائع ذكر أن لديه زهورا نادرة لكن موسمها قصير و بالإمكان زراعتها في الحدائق و


تحتاج الى الكثير من الرعاية فخطرت ببالي فكرة أن أقوم بزراعة تلك الزهور في حديقة


المدرسة فابتعت بعض شتلاتها و أتيت بها الى المديرة و طرحت عليها الأمر, شكرتني, لكنها


سألتني ما الدافع ؟


قلت لها انني أريد أن تبقى لي هنا ذكرى لبواكير أعمالي في مجال الهندسة والاعمار.


وافقت المديرة فاخترت المكان الذي تشرفين عليه من خلال نافذة الصف.


- اهاا تذكرت, كنت أقول في نفسي ما هذا المنظر الجميل الذي أراه كل يوم؟ سألت


المديرة عنه فأجابتني إنها تغييرات جميلة للمدرسة و نظامها الجديد.


أكاد لا أصدق و لا أتصور الفكرة! ما هذا يا حامد؟


- انه الباب الخلفي للمنزل و بالقرب منه سلّم صغير يقود الى الطابق العلوي.


أدارت النظر و تفحّصت المكان بنظرة عابرة ثم بدأت تدقق أكثر..


- حسنا فعلت يا عزيزي و هذا السور عال جدا و سيكون الأطفال هنا في أمان اكثر.


- هل بدأتِ تقتنعين بالفكرة؟


- ليس بعد.. الى الآن لم تخبرني كيف خطرت على بالك؟


- لندخل الى الداخل و سأخبركِ بالتفاصيل..


- بالتفاصيل يا عزيزي فقد شوقتني أكثر لمعرفة المزيد ولندخل من المدخل الامامي..


- هيا تفضلي


- جميلة هذه الصالة, أعتقد أنها ملائمة جدا للبيت.


- الغرف الموجودة في الجهة اليمنى ستكون للتعليم و الدراسة و بأشراف كادر تدريسي


جيد, تكلمت مع بعض الاساتذة في هذا المشروع, باركوا لي هذه الفكرة و قالوا سنمد لك يد


المساعدة كي تصب جهودنا لأحياء شريحة كتب لها الموت والاندثار.. و اتفقت مع بعض


أصدقائي على تيسير الامور الخاصة بوزارة التربية.


اما الجهة الاخرى فهي تحتوي على غرف لممارسة الهوايات الفنية و الرياضية , أملي كبير


أن يتسع هذا المبنى في المستقبل ليقدم كل ما هو أفضل و مطلوب.


- حامد, يبدو أنك قد خططت جيدا له تتكلم و كأن الامور سهلة يسيرة ؟


- لمَ لا تكون سهلة؟ فالجزء الاصعب قد انتهينا منه و ان شاء الله ما يأتي سيكون أسهل.. أتعرفين؟ لقد اخترتك ان تكوني أنتِ المشرفة و المديرة لهذا المأوى.


- أنا!


- أ لم يختاروك طالباتكِ في السابق بأن تكوني المعلمة القدوة؟


و لن أختار على اختيارهن ؟


- حامد إنك تجاملني كثيرا.


- أعبر لكِ عن حبي و امتناني لصبركِ الكبير.. أ تكون هذه مجاملة؟


- لم أفعل شيئا, لقد أحببتك كثيرا, أحببتك أنت سواء كان لنا أولاد أو لم يكن و لم أشعر


يوما إنه ينقصني شيئا, أنا سعيدة معك هكذا


اطرق برأسه قليلا الى الارض, اقتربت منه؛ رفعت رأسه بيدها


- ما قيمة الدنيا عندي ان لم تكن أنت فيها!


- لا تضيع الوقت هيا أرني بقية البيت أم أنك ستماطل لتستمع أكثر الى كلمات الدلال و الغزل التي هي لك و لن تنتهي أبدا! أرني و بعد ذلك نكمل ..


- هيا تقدمي أمامي و اصعدي السلّم و اتجهي الى تلك الغرفة التي على اليمين و افتحي بابها..


- بسم الله, هل أغمض عيوني ؟


- ان شئتِ افعلي


- أوووه ما هذا يا حامد؟


- ماذا يا عزيزتي! إنه أقل شيء يليق بكِ.


- لم أكن أتصور أنك تفكّر فيّ هكذا طوال الوقت!


غرفة واسعة تزينها زهور على طاولة في وسطها, و أثاث فاخر يملؤها كأنها معدة لتكون


مكتب ادارة غاية في الروعة والفخامة. اقتربت من النافذة, أزاحت ستائرها فإذا هي تطل على


منظر خلاب لساحل البحر و أمواجه الناعمة, فتحت شباكها لتستنشق الهواء العليل و هو


يدخل الى كل الغرفة.


- أووه ما أعذبه! الآن عرفت أين كنت ليلة البارحة.


- و كيف عرفتِ؟


- ها هي ساعتك, لقد نسيتها على أطراف النافذة.


- حقا, لم أنتبه.. هههه


- هل أعجبكِ المكتب؟


- جدا يا حامد


- لم ننتهِ بعد.


تقدَّمَ من باب جانبي؛ فتحه فإذا هو يطل على شرفة كبيرة فيها أثاث للجلوس و الاستراحة


وحتى أدوات رسم.


- كم انت رائع عزيزي, لم تنسَ شيئا و كأنك جالس في مخيلتي تأخذ عنها ما فيها.


- دعينا نجلس لأخبركِ بالأمر كلّه.


- نعم, تفضل عزيزي.


كنت في جلسة مع أصدقائي في إحدى اجتماعاتنا الاسبوعية كما تعرفين, نتناول المواضيع


العامة و في بعض الاحيان الخاصة منها, حيث نتبادل الاحاديث و الآراء حول القضايا و


الأحداث التي تلامس حياتنا, و قد حدث في أحدها أن تناول الحاضرون موضوعا حيويا يخص


حياة الجميع و يلامسها بصورة مباشرة, ألا و هو موضوع فئة من البشر نصيبهم من هذه


الدنيا فقط رغيف خبز يدفعه اليهم المارة بأخلاقهم الملونة بأرواحهم؛ فأن كانت نقية تلك


الارواح دفعت تلك اللقمة بنظرة من العطف و يد قاصرة يُمسح بها على رؤوسهم, و ان كانت


تلك الارواح غير ذلك فأنت تعرفين ماذا يحصل!


هؤلاء ليس لهم ذنب, ذنبهم الوحيد أنهم فقدوا معيلهم في هذه الحياة و ظلّهم الذي يستظلون


به فأصبحوا مشردين, هؤلاء هم أطفال الشوارع من اليتامى و المحتاجين للرعاية.


أغلب الحاضرين تطرّق الى الموضوع حسب وجهة نظره و البعض الاخر وضع حلولا.


أنا أقول إنها لم تكن جوهرية!


- أنت ماذا قلت؟ ما كان رأيك؟


- أ تصدقين إني بقيت صامتا أستمع الى ما تجود به قريحة الحضور.


- لمَ...؟ كنت غير مهتم لهذا!


تأوه ثم أردف


- لا, بل على العكس لقد كنت ساعتها أتكلم مع نفسي و أقول إنّ حل مثل تلك القضايا أمر


شبه عقيم, من في هذه الايام لديه القدرة و سعة من الصبر أو شيء عنده يبقيه للآخر كي يحيا معه .. من؟!


لا تتصوري أنّ هذا يأسا من الدنيا و أنّ الخير قد انقضى منها, أنا أتصور أن الكل مشغول أو


يدعي أنه مشغول بمشاكله الخاصة, و ظروف حياته, و ما يحيط بها تقريبا, و كنت أقول ربما


هذا موضوع للنقاش فقط لذا التزمت الصمت! لكن ليس طويلا, لأن هناك حديثا رواه أحد


الحاضرين طرق مسامعي فأصغيت له بانتباه كبير..


قصة نقلها حيث قال: أنه يعرف أحد جيرانه لم يكن له أطفال لفترة من الزمن و لما توفي أحد


أقاربه ترك ولدا و بنتا صغيرين لم يتقدم أحد من معارفه لرعايتهما, زوجة ذلك الرجل- يقصد


جاره- أشفقت عليهما؛ و طلبت من زوجها احضارهما الى البيت ليعيشا معهما.


في بادئ الامر و لمدة من الزمن كان زوجها يرفض و بشدة .. لكن الذي غيّر رأيه هو تعلّق


زوجته بهما مما حدا به الى التصالح و القبول بوجودهما.


و هكذا مضت الايام و عبرت السنون و اجتاز هؤلاء الأربعة محطات الحياة سوية, الآن أصبح


الولد الصغير شابا يدرس في إحدى الكليات, و البنت هي الاخرى في مراحل الثانوية ينادون


الرجل بـ( أبي) والمرأة (أمي)!


تصوروا قبل أيام رحل هذا الرجل بعد صراع مع المرض من الديار الفانية الى الديار الباقية,


فارق الحياة لكنه أبقى بصمة جميلة عالقة في أذهان الزمن؛ هي رعايته لهذين اليتيمين.


لقد أحيا حياة اثنين من الأفراد!


أقول لو لم تبادر هذه العائلة لرعايتهما لكان تغيّر مصيرهما و يمكن ان يكونا مشردين


ضائعين تتبدد طاقاتهما الفتية وتضيع سنين صباهم دون رعاية؛ فيشكلا مع غيرهم شبكة


خطيرة تهدد المجتمع...


و للحديث بقية حيث إنني رأيت الشاب بأم عيني و هو يحتضن ذلك الرجل الذي أصبح شيخا يحمله الى المشفى, و يداريه أكثر مما لو كان ولده الحقيقي, و قد بكى بكاء شديدا و ودّعه بحزن ساعة وفاته..


كانت زوجة الرجل أيضا متألمة لفراق زوجها, الشيء الذي خفف ألمها وجود الولد و البنت


معها و كانت تقول: الحمد لله.. لقد ترك لي ولدين يقومان برعايتي بقية حياتي.


لقد ساعدني كثيرا في رعايتهما.


ما شدّ انتباهي أكثر, و أسكت هواجس كانت ترافقني طوال سنين مذ علمت أن حياتنا ستمضي


دون أطفال, كنت أفكر فيكِ كثيرا؛ أقول من يقوم برعايتكِ عندما أرحل عن هذه الحياة؟ و كانت


هذه القصة مثل الهواء البارد الذي أثلج صدري, فمنذ تلك الليلة بدأ تفكيري جديا في احتضان


طفل.


أثناء كلام حامد, أخذت دموع وفاء تنحدر على خديها بغزارة و صوت نشيجها يعلو فرقرقت


الدموع في عينيه ايضا و تحشرج صوته و هو يقول لها


- أعتذر منكِ حبيبتي لجعلي إياكِ تبكين و تتألمين..


- أبدا يا حامد! أنت محق في هذه الفكرة , لقد تأثرت عندما ذكرت مسألة الموت و


رحيلك فحزَّ في نفسي كثيرا, و تصورت كيف تكون الحياة بدونك! من المؤكد إنها ستكون


موحشة و لا معنى لها!


فبادر اليها يكفكف دموعها بيديه


- هوني عليكِ عزيزتي فلا زلت موجودا.


فنظرت اليه نظرة حانية


- أطال الله في عمرك عزيزي.


- درست الأمر, و تناقشت مع بعض الأصدقاء, فتوسعت الفكرة في رأسي حتى صارت


خطوة أولى في بناء مشروع لإيواء عدد من هؤلاء الأطفال.


المفاجأة هذه أسكتت كل هواجس و تساؤلات وفاء مما حدا بمشاعر الفرح و الدهشة أن تطغى


على الموقف!


بالرغم من المشاكل و الاحباطات التي واجهتهما معا, إلا إنهما عبراها بمجهود أقل, و كان


للانسجام الذي يلون حياتهما الفضل في ذلك.


و بعد مرور خمس سنين...


حامد و وفاء وطفل صغير يلهو أمامهما على شاطئ البحر


- انتبه يا عزيزي .. حامد لا ترمي بالكرة بعيدا, إن سقطت في الماء سهيل سيذهب


وراءها مسرعا.


- عزيزتي, أنا منتبه له .. هيا, هيا ارمِ الكرة


- كفى لعبا و اذهبا لتناول الطعام, لقد أعددت لكما شطائر لذيذة.


- ماما, لقد أتعبت بابا في الركض ورائي


سهيل يمسك ثياب وفاء و يدور حولها


- حامد, لماذا أتعبت الصغير في الركض؟


بابتسامة ماكرة همس حامد في أذنها


- لا تبيني له ذلك, دعيه يظن أنه يغلبني.


- سهيل, حامد, أ لم تشعرا بالجوع؟


- أنا, نعم سأتناول الطعام حالا.


- ماما, سأنتظرك حتى تنتهين من رسم اللوحة.


أخذت سهيل في حضنها و ضمته الى صدرها و قبلته بشغف


- حسنا, سأنتهي بعد قليل.


حامد يتأمل منظرهما... قطعت تأمله وفاء


- لماذا تحدّق بنا هكذا و الابتسامة تملأ وجهك؟


- أنا سعيد لأنكِ مستأنسة بوجود هذا الطفل بيننا, يبدو أن الامومة تليق بكِ أكثر؛ لقد


ازددتِ روعة و جمالا, انتِ لستِ أما لسهيل فقط, بل لجميع الموجودين في الدار.


أقول هل تظنين إننا تأخرنا في تلك الخطوة؟ لو بدأناها في وقت مبكر لكان الحال أفضل؟


- لا يا عزيزي, كل شيء في أوانه, أنا متفرغة حاليا للعمل فقط لإدارة الدار و تربية سهيل.


- آه سهيل! أتذكرين؟


- و كيف أنسى!


- كان ذلك قبل ثلاث سنين في تلك الليلة الماطرة عندما كنا في الشرفة مشغولين بمنع


تسرب مياه الامطار الى الداخل, حينها كانت تمطر بغزارة لمدة يومين عندما رن جرس


الهاتف..


- نعم, من المتصل؟


- هل السيد حامد موجود؟


- نعم, أنا هو تفضل


- هذا أنت يا صديقي! أنا الدكتور عبدالرحمن, لم أعرف صوتك لرداءة الاتصالات..


- عبدالرحمن! أين أنت يا رجل؟ منذ مدة لم نسمع صوتك..


هل تسربت قطرات المطر الى قلبك فدغدغته فحركت الحنين و الشوق الينا؟


- ههه, دعك من هذا الكلام يا حامد .. أريدك في أمر ضروري الآن.


- الآن!


- كيف و أين؟ إنها تمطر بغزارة ..


- أعرف, لكن لا بد أن تأتي.


- حسنا, حسنا, سأحضر حالا.


- حامد, أرجو منك احضار السيدة وفاء معك.


- وفاء! لماذا؟


- لأن الأمر يتعلق بها أكثر.


لا تقلق .. الامر خير ان شاء الله.


- مع السلامة .. سننطلق بعد قليل


وفاء تُلفت انتباه حامد بإشارة منها الى النافذة التي خلفه مبينة له أن المطر بدأ يقل, لقد


أخذت الريح بالهدوء النسبي شيئا فشيئا.


- هل سمعتِ يا عزيزتي, علينا أن نستعد للذهاب الى المستشفى.


- انتظرني في السيارة .. سآتي حالا.


(الدكتور عبدالرحمن صديق قديم لحامد, تعرف على وفاء منذ افتتاح الدار؛ حيث كان أحد


المساهمين في هذا المشروع, إذ إنه خصص جزءا من دخله له, بالإضافة الى أنه خصص


وقتا للفحص الدوري للأطفال المتواجدين في الدار.


بعد مضي أكثر من عشر دقائق ..


- هل أنتِ جاهزة ؟


- حامد, علينا أن نسلك أقرب الطرق الى المشفى ( يبدو ان القلق اخذ يطرق رأسها)


- لا عليكِ! سأهتم أنا بالأمر.


بعد مضي فترة من الزمن قطعاها في طرق فرعية اختصرت لهما المسافة وصلا الى المشفى..


عند مدخل المشفى حامد يسأل إحدى الممرضات التي كانت واقفة قرب الباب..


- من فضلكِ يا سيدتي أين أستطيع أن أجد الدكتور عبدالرحمن؟


- هل أنت السيد حامد؟


- نعم.


- تفضلا, الدكتور بانتظاركما, إنه في الغرفة التي تلي تلك الصالة التي أمامك.


- شكرا لكِ سيدتي.


- انتظرني يا حامد لا تسرع!


- انتظري في الخارج


- لا, سآتي معك مهما كان الامر


- هل أنتِ مصممة؟


- أجل


دخل حامد الى الغرفة و سلّم على الدكتور


- أهلا,أهلا حامد, الحمد لله أنك لم تتأخر .. كيف حالك؟


- أنا بخير, و وفاء تنتظرني في الخارج


- دعها تدخل


تفضلي يا سيدة وفاء كيف حالكِ؟


اعتذر لأني أزعجتكم في مثل هذا الوقت و هذه الظروف


- لا تهتم, ما الأمر؟ لقد اقلقتنا!


- تفضلا بالجلوس, منذ مدة لم أسمع أخباركم و كيف تسير الامور, لقد كنت عازما على


زيارتكم نهاية هذا الشهر, لكن شاءت الأقدار أن يكون لقاؤنا في هذا الوقت!


بدأ ينظر اليهما و هو يطرق بأصابعه على سطح المكتب بخفة, وفي لحظة صمت كل شيء


- عبدالرحمن, قل ما الأمر؟


- لا تكثرا من نظرات التساؤل بينكما سأجيبكما في الحال..


في الحقيقة كيف أبدأ؟


- ابدأ من الأخير


- ههه! قبل يومين وصل الى المشفى ثلاثة أشخاص كانوا قد تعرضوا الى حادث


مؤسف على إحدى الطرق الخارجية, لقد انحرفت سيارتهم نتيجة لسوء الاحوال الجوية


- يا للأسف! نعم, كانت تمطر بغزارة.


وماذا بعد


- لقد كانوا 3 أفراد رجل و امرأة و طفل صغير..


و من الأوراق التي عثرنا عليها في حقيبة السيدة تبين أنهم عائلة واحدة و أن الطفل ابنهما


و أنهم من خارج المدينة.


- تقصد أنهم من السياح؟


- الله أعلم.. المهم أن الرجل و زوجته قد فارقا الحياة, أما الطفل فقد نجا بأعجوبة؛ من


المؤكد أنه كان في حضن والدته وقت الحادثة فقد كانت انحناءتها عليه حائلا دون موته,


و سبحان الله لقد وجده المسعفون حيا يتنفس أسفل المقعد الامامي للسيارة!


- لا حول و لا قوة الا بالله


- يا للمسكين! أين هو الان؟ و كيف وضعه؟


- إنه هنا في إحدى الردهات و قد كان في العناية المركزة مغمى عليه, و فاق من


غيبوبته صباح اليوم, أجرينا له الفحوصات اللازمة و كانت النتيجة ايجابية فنقلناه الى ردهة


الاطفال عصرا.


- كم يبلغ من العمر؟


- سنة و نصف.


- مسكين!


- هل من مساعدة يمكننا أن نقدمها له؟


- مساعدة!! نعم, لكن ليس الشيء الذي تتصوره.


أنظر يا حامد! إن الطفل فقد والديه ولم يتصل بنا أي شخص الى هذا الوقت يسأل عن تلك


العائلة.


- و ماذا يعني هذا؟


- يعني أن الطفل يحتاج الى من يرعاه رعاية مباشرة.


- تقصد أن دار المأوى التي نملكها هي الحل الانسب له؟


- نعم.


- لكن الدار لم تستقبل لحد الان أطفالا بهذا العمر؟


انه صغير يحتاج الى رعاية خاصة! ربما سيتصل من يسأل عنه


- و إذا لم يتصل؟


اسمع يا حامد, إن الطفل موجود و أوراقه كلها معه, فما المانع؟


- لا أدري ...


القرار يعود بالدرجة الاولى الى وفاء و استعدادها لقبول هذا الضيف الجديد.


وفاء كانت تنصت اليهما, و قد غابت عنها دقات قلبها التي بدأت بالتسارع فقطعت حديثهما


- دكتور, ما اسم الطفل؟


- سهيل.


- هل لي برؤيته الآن؟


- سآخذكما اليه .. هيا تعالا معي ...


كانت وفاء تسير أمامهما ..


- اهدأي يا عزيزتي


دقات قلبها تسارعت, و أخذت تسابق نظرها الى أن وقف بها الحال الى السرير الذي يرقد فيه


سهيل و ما أن رأته حتى اغرورقت عيناها بالدموع..


- يا للطفل المسكين .. يا الله كم هو جميل!


هل استطيع أن ألمسه؟( دخل حب سهيل قلبها و ربما كان له مكان ينتظره فيه فقط المسألة


كانت صراع مع الوقت)


- تمالكي أعصابكِ يا وفاء.


- في السنوات التي خلت كنت أسمع قريناتي من النساء ممن هن في عمري أو يكبرنني


بسنين عن شعورهن وهن يستقبلن وليدهن الاول .. كن يخبرنني بذلك و كنت أتخيل تلك المشاعر و لكن ..


أظنني امتلكت ذلك الاحساس في هذا العمر, و قد قارب اليأس على أسواري و كاد يبتلعها!


الحمد لله يا حامد سأصلي لله شكرا على هذه النعمة.


(كان خائفا عليها من أن تتعلق بالطفل ثم يأتي أحد معارفه و يأخذه فكان لا يستطيع ان


يشاطرها الفرح كاملا)


- سنتركه ينام, و عند الصباح نأتي لاتخاذ الاجراءات اللازمة لكي ننقله الى الدار .


- لا يا حامد, أنا سأبقى هنا الى أن يستيقظ, فليس لي من الصبر الكثير.


- تستطيعين أن تبقي الى جانبه سيدة وفاء, و أنت يا حامد ستأتي معي الى غرفتي, أنا


متشوق لسماع أخبارك فأنا باق هنا حتى صباح الغد و لنترك وفاء مع طفلها..


- أراك تتذكر تلك الليلة جيدا؟


- كيف لا أتذكرها! انها ليلة ميلاد حياة جديدة لنا و أسرّك القول إنني منذ تلك الليلة لم يفارقني القلق حول مصير سهيل.


- تقصد خوفك من أن يأتي من يأخذه منا؟


- نعم


- و أنا كذلك


و لكن مضت ثلاث سنين و لم يتصل بنا أحد, فلنترك الامر لقد كان قدرا يخصنا نحن الاثنين


أن نعثر على هذا الطفل في مسيرة حياتنا و نحن في هذا العمر.


- ترى ما كان سبب لقائنا في ذلك اليوم الماطر؟ أ لأجل الاطفال المتواجدين في دار المأوى الآن, أم لأجل هذا الطفل؟


- إنّ للقدر مفاجآته العجيبة.


- ما تقوله مهما لدي, لكن عليك أن تعرف أن الأهم من ذلك هو أن حديقتي ملآى بالزهور الجميلة و أجمل ما فيها هو أنت و سهيل.


أخذت دموعها تنهمر على خديها


- انتبهي يا وفاء! لقد سقطت قطرات الدمع على اللوحة.


- آه عزيزي..(التفتت الى سهيل وضمته الى صدرها ثانية)


كم أنا سعيدة بوجودك معي..


حامد, انظر الى هذه اللوحة تقريبا انهيتها..


- آه, يا لروعتها كم هي جميلة و ألوانها زاهية, و لكني أراكِ قد لوّنتِ هنا قطرات المطر.. لماذا؟


- تقول لماذا؟! ألا تعتقد أن لكل قطرة منها انعطافة في حياتنا؛ أولها كان لقائي بك حيث


كان اليوم ماطرا, و الثاني يشبهه هو لقاؤنا بسهيل, و البقية أنت تعرفها.


- أحسنتِ الاختيار, هذه الفكرة زادت اللوحة بهاء, و لكن ارفعي نظركِ الى السماء و


انظري لقد عادت السحب ثانية, يبدو أنها تستعد للمطر, هيا نحمل أغراضنا بسرعة قبل


تساقطه .. هيا, هيا يا سهيل الى السيارة


- كلا, كلا يا أبي, دعنا قليلا فأنا أحب المطر و خصوصا عندما تتساقط قطراته على وجهي!





فنن الزيتون

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مجلة وجدانيات الادبية (( نبقى أوفياء )) للشاعر حسان ألأمين

نبقى أوفياء مشينا دروب الوفاء و لم ينهكنا التعب و مهما قالوا عنا لا يهمنا من لامنا او عتب كم من حكمة في الوفاء قيلت و كم من الأمثال فيها ضُر...