قصة مستوحاة من واقع الحياة
*** جريمة و عقاب ***
لم تتخلص حتى هذه اللحظة من عذابات الذكرى, و هي ترى بأم عينيها ولدها- ابن زوجها- و هو يحاول أن يسند خطواته المتعثرة بإحدى عكازتيه, و الذي أفلت الأخرى حينما حاول ضم مجموعة أوراق, و تحاليل طبية كانت تخصها!
خانتها قدماها المشدودة إلى ذلك الكرسي المتحرك, و هي تحاول النهوض لمساعدته, لكن لا فائدة ؛ فقد
أُفلتت الحيلة من يدها منذ زمن, و لم يعد بالإمكان اعادة ما أذهبته هي مع الريح!
ضربت عجلات كرسيها بكلتا يديها, بعدما نكست رأسها؛ كي تتوارى خجلا من نظراته التي طوقتها.
دموعها لم تجد بدا من مسيلها, فتناثرت كالمطر على خديها.
لطالما اعتصر قلبها, و هي تنظر حاله تلك!
فسياط الضمير اللاهبة لا زالت تلوّع روحها, و تقض هنأتها, منغصة عيشها؛ فنتيجة فعلتها لم تكن واضحة بيّنة بمثل هذا الوضوح الذي تراه الان!
كانت تسير بحذر مع ذاكرتها؛ كي لا ينكشف لها كل شيء؛ فيزعزع حياتها أكثر! و كمراجعة وهمية كان تركيزها حتى وقت قريب على وهم, أن أمه قد تبعث من جديد و تشاهد معاناة ولدها!
لقد أخفت الكثير عن والده حينما كان يتركه معها, و هو ذاهب الى عمله المعتاد, ساعدها في ذلك خوف الطفل منها؛ بفعل تهديداتها التي كبّلت لسانه.
هذا ليس الأمر كله!
فعندما تمر بها الذكريات من خلال زجاج محنتها المغبش, تستوقفها تلك الصورة المعتمة!
نعم, إنها هي, و ليس غيرها من فعلها!
إذ لم تعي ما هي صانعة, حينما استدرجتها نار غيرتها, و أهوائها العمياء إلى سريره حيث ينام بهدوء..
ملأت عينيها من صورته, تلمّسته بيديها المرتعشة, لم تحتمل أنفاسه الناعمة؛ الصقت كفها على فمه!
صاحت: لا, لا, سيموت!
ارتدّت إلى الوراء, مبتعدة عن سريره, و هي نافرة من حالها!
صرخت متألمة؛ حينما داست بقدمها على أحد الدبابيس المهملة على السجاد المفروش في الغرفة!
أدمتها الوخزة, أخذت الدبوس بيدها, و هي تنظر اليه, ضحكت في سرها:
- إن هذا سيؤلمه أكثر مني..
عادت اليه ثانية؛ و أخذت توخزه مرة, تلتها ثانية, و أخرى و أخرى.
مسامع قلبها صُمّت عن صراخه و ثغيبه, و هو يعافر في فراشه!
أوقفتها طرقات على الباب ..
إنها جارتها التي تمزّع قلبها؛ و هي تسمع صراخ الصغير.. كانت تظن أن الطفل لوحده!
كادت أن تكسر الباب, و هي تحاول فتحه بقوة..
جاءتها المفاجأة حينما فتح بهدوء!
وجدت الطفل محمولا على كتفها, و هي تحاول تهدئته!
- الحمد لله أنكِ هنا, كنت أخشى..
ولكن لِمَ الطفل يصرخ بهذا الشكل؟!
هل حدث له شيء؟
- لا, كنت قد تأخرت في إعداد رضعته.
اطمئني, سيتناولها و ينام..
بتلك الحجج و الاعذار و مثلها, كانت تغطي كل ما كانت تصنعه بالطفل!
و دّعتها جارتها على أمل أن تعود لاحقا لأكمال ما انقطع من الحديث بينهما.
بعد أن أغلقت الباب خلفها, وقع نظرها على الساعة المعلّقة أمامها..
- جيد, لا زال الوقت باكرا على عودة أبيه, و هذا قد أراحنا من صراخه و نام.
فعلتها و هي لا تدري على أي طريق وضعت قدميها!
واتتها الفرصة ثانية, و هي تتحينها بشوق, حينما أنهى زوجها إجازته الاسبوعية, و سيعود الى عمله غدا صباحا, لكنه قبل أن يخلد الى فراشه, لم ينس أن يداعب صغيره, فقد كان يتابع أخباره من خلال ما تنقله هي له.
كانت تقف خلفه, و هي تنظر ما يصنع!
حينما أحس بوجودها؛ نهض من مكانه, و أخذ يربت على كتفها باعتزاز..
- الحمد لله لقد عثرتُ على أم حنون مثلكِ لولدي..
أشكركِ على كل ما تقدمينه لي و له.
و هو يودّعها, لم تطفأ القبلة التي طبعها على خدها, جمرة حقدها وحسرتها على وجود من يشاركها في رجل حياتها!
- إن وجود هذا الطفل, يجعلني أشرق في لذتي, انه كالحسكة في بلعومي؛ لا استطيع أن ابتلع وجوده بيننا!
هذه المرة سأذيقه الألم أكثر.
هرعت الى ماكنة الخياطة, و أخرجت مجموعة من الإبر الناعمة..
- بهذه سأصيب ما أريده!
كان يلهو ببعض العابه المعلّقة فوق سريره, أفلتتها بغضب من يده, و أخذت تغرز الابر الصغيرة في قدميه,
أدخلت ثلاثا منها!
- هذا يكفي الآن.
تركته بعدما أغلقت نافذة الحجرة و بابها؛ حتى لا يسمع صراخه أحد.
أفاقت من ذكرياتها على صوت الممرضة و هي تنادي باسمها..
دنت منها فتاة صغيرة:
- جدتي, لقد حان دوركِ, هيا لندخل.
نظرت اليها..
- و أين والدكِ؟
- قال إنه سيعود بعد قليل.
ضمت الفتاة إلى صدرها, و ألم ذكرياتها لم ينته بعد؛ فضحيتها لا تزال شاخصة أمامها صباح مساء!
لن تنسى أبدا انها هي السبب في إعاقة من يعولها, و يتكفّلها الآن, لا لذنب اقترفه؛ فقط كونه ابن ضرتها
المتوفاة!
فنن الزيتون
21/6/2018
*** جريمة و عقاب ***
لم تتخلص حتى هذه اللحظة من عذابات الذكرى, و هي ترى بأم عينيها ولدها- ابن زوجها- و هو يحاول أن يسند خطواته المتعثرة بإحدى عكازتيه, و الذي أفلت الأخرى حينما حاول ضم مجموعة أوراق, و تحاليل طبية كانت تخصها!
خانتها قدماها المشدودة إلى ذلك الكرسي المتحرك, و هي تحاول النهوض لمساعدته, لكن لا فائدة ؛ فقد
أُفلتت الحيلة من يدها منذ زمن, و لم يعد بالإمكان اعادة ما أذهبته هي مع الريح!
ضربت عجلات كرسيها بكلتا يديها, بعدما نكست رأسها؛ كي تتوارى خجلا من نظراته التي طوقتها.
دموعها لم تجد بدا من مسيلها, فتناثرت كالمطر على خديها.
لطالما اعتصر قلبها, و هي تنظر حاله تلك!
فسياط الضمير اللاهبة لا زالت تلوّع روحها, و تقض هنأتها, منغصة عيشها؛ فنتيجة فعلتها لم تكن واضحة بيّنة بمثل هذا الوضوح الذي تراه الان!
كانت تسير بحذر مع ذاكرتها؛ كي لا ينكشف لها كل شيء؛ فيزعزع حياتها أكثر! و كمراجعة وهمية كان تركيزها حتى وقت قريب على وهم, أن أمه قد تبعث من جديد و تشاهد معاناة ولدها!
لقد أخفت الكثير عن والده حينما كان يتركه معها, و هو ذاهب الى عمله المعتاد, ساعدها في ذلك خوف الطفل منها؛ بفعل تهديداتها التي كبّلت لسانه.
هذا ليس الأمر كله!
فعندما تمر بها الذكريات من خلال زجاج محنتها المغبش, تستوقفها تلك الصورة المعتمة!
نعم, إنها هي, و ليس غيرها من فعلها!
إذ لم تعي ما هي صانعة, حينما استدرجتها نار غيرتها, و أهوائها العمياء إلى سريره حيث ينام بهدوء..
ملأت عينيها من صورته, تلمّسته بيديها المرتعشة, لم تحتمل أنفاسه الناعمة؛ الصقت كفها على فمه!
صاحت: لا, لا, سيموت!
ارتدّت إلى الوراء, مبتعدة عن سريره, و هي نافرة من حالها!
صرخت متألمة؛ حينما داست بقدمها على أحد الدبابيس المهملة على السجاد المفروش في الغرفة!
أدمتها الوخزة, أخذت الدبوس بيدها, و هي تنظر اليه, ضحكت في سرها:
- إن هذا سيؤلمه أكثر مني..
عادت اليه ثانية؛ و أخذت توخزه مرة, تلتها ثانية, و أخرى و أخرى.
مسامع قلبها صُمّت عن صراخه و ثغيبه, و هو يعافر في فراشه!
أوقفتها طرقات على الباب ..
إنها جارتها التي تمزّع قلبها؛ و هي تسمع صراخ الصغير.. كانت تظن أن الطفل لوحده!
كادت أن تكسر الباب, و هي تحاول فتحه بقوة..
جاءتها المفاجأة حينما فتح بهدوء!
وجدت الطفل محمولا على كتفها, و هي تحاول تهدئته!
- الحمد لله أنكِ هنا, كنت أخشى..
ولكن لِمَ الطفل يصرخ بهذا الشكل؟!
هل حدث له شيء؟
- لا, كنت قد تأخرت في إعداد رضعته.
اطمئني, سيتناولها و ينام..
بتلك الحجج و الاعذار و مثلها, كانت تغطي كل ما كانت تصنعه بالطفل!
و دّعتها جارتها على أمل أن تعود لاحقا لأكمال ما انقطع من الحديث بينهما.
بعد أن أغلقت الباب خلفها, وقع نظرها على الساعة المعلّقة أمامها..
- جيد, لا زال الوقت باكرا على عودة أبيه, و هذا قد أراحنا من صراخه و نام.
فعلتها و هي لا تدري على أي طريق وضعت قدميها!
واتتها الفرصة ثانية, و هي تتحينها بشوق, حينما أنهى زوجها إجازته الاسبوعية, و سيعود الى عمله غدا صباحا, لكنه قبل أن يخلد الى فراشه, لم ينس أن يداعب صغيره, فقد كان يتابع أخباره من خلال ما تنقله هي له.
كانت تقف خلفه, و هي تنظر ما يصنع!
حينما أحس بوجودها؛ نهض من مكانه, و أخذ يربت على كتفها باعتزاز..
- الحمد لله لقد عثرتُ على أم حنون مثلكِ لولدي..
أشكركِ على كل ما تقدمينه لي و له.
و هو يودّعها, لم تطفأ القبلة التي طبعها على خدها, جمرة حقدها وحسرتها على وجود من يشاركها في رجل حياتها!
- إن وجود هذا الطفل, يجعلني أشرق في لذتي, انه كالحسكة في بلعومي؛ لا استطيع أن ابتلع وجوده بيننا!
هذه المرة سأذيقه الألم أكثر.
هرعت الى ماكنة الخياطة, و أخرجت مجموعة من الإبر الناعمة..
- بهذه سأصيب ما أريده!
كان يلهو ببعض العابه المعلّقة فوق سريره, أفلتتها بغضب من يده, و أخذت تغرز الابر الصغيرة في قدميه,
أدخلت ثلاثا منها!
- هذا يكفي الآن.
تركته بعدما أغلقت نافذة الحجرة و بابها؛ حتى لا يسمع صراخه أحد.
أفاقت من ذكرياتها على صوت الممرضة و هي تنادي باسمها..
دنت منها فتاة صغيرة:
- جدتي, لقد حان دوركِ, هيا لندخل.
نظرت اليها..
- و أين والدكِ؟
- قال إنه سيعود بعد قليل.
ضمت الفتاة إلى صدرها, و ألم ذكرياتها لم ينته بعد؛ فضحيتها لا تزال شاخصة أمامها صباح مساء!
لن تنسى أبدا انها هي السبب في إعاقة من يعولها, و يتكفّلها الآن, لا لذنب اقترفه؛ فقط كونه ابن ضرتها
المتوفاة!
فنن الزيتون
21/6/2018

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق