كثيرا ما يعنّ لي فعل الكتابة،
وقبل رسم الحروف على البياض
تكون الصّور تترا دفقا كالمعاني ..
تنسكب الفكر من مواقف كثيرا ما عاينتها
على مسرح الأحداث ..
قد لا أرهق عقلي وقتها..
في تأويل المقاصد من وراء السّلوكات..
فهناك ما هو أهمّ ما ينشغل به العقل
وتمرّ تلك المواقف ، وتخزّن بالذاكرة ..
قد يطويها النسيان لزمن
لكنها في لحظات الإسترخاء
قد تمرّ صور حسبنا أنّ الزمان
كان كفيل بطيّها ..
وتعاد الصور سيرتها الأولى..
ولكن مع قراءة وتحليل
وأخذ وردّ وشروح
ومحاورة واستدلال وسؤال
وتلعثم في الحواب
وتبرير ومحاولات إقناع
ويظلّ العقل مشدودا
حتى يعييه الجدل
من تلك المواقف التي مرّت
أمام ناظريا ..
ذلك الطفل اليافع
الذي جلس قدام منزلهم
بين أقرانه يواسونه
وقد سربل ملامحه الحزن
كنت أسمع نسوة تولولن
في صحن بيتهم
ويعددون مناقب الميّت
بينما تعددت حلقات عملة الدّاموس
في بطحاء الحيّ..
يظهر نقيب كلّ حلقة
شيئا من قدرته على المحاكاة
في تَرَف يستند
إلى الرجول وقيم الشجاعة
وشدّة البأس
وكاريزما القيادة والزعامة
وقوّة الشكيمة والصبر
ويظلّ كلّ نقيب في سرد
تفاصيل موت العامل المنجميّ
وتطعيم روايته بتلك القيم ..
من شجاعة وإقدام ورجولة
وكرم وشهامة وصبر وأناة..
فعامل الدّاموس يموت كل يوم..
ويظلّ برابطة جأشه محبّا الحياة..
مقبلا عليها ..
هذا السرّ في تقبّل الموت
الذي كان يكاد يوميا في حاضنة
مدن الفوسفاط ..
كان الموت والحياة
خطان كثيرا ما يتقاطعان
ولهذا التقاطع ناموس
قد يشترك فيه تكرار الموت
ولكن تفاصيل وأسباب الموت
لا تتكرّر الاّ نادرا ..
فلكلّ من قضى نحْبه ميّزات ومناقب..
يظل هذا الحضور لأهل الحيّ ..
فيه قَدْر من الحميميّة
ومَبْلَغا من التعاطف والتآزر
كثيرا ما أثار حيرتي..
نحن نجد كل هذا التعاطف
في ساح الموت وعندما يتخطف البعض..
ولا نجده عندما يتشاجر أطفال الحيّ
فتثور نعرة العربيّ وحميّة الجاهليّ ..
كنت أستغرب ذلك
وأمقت هؤلاء الآباء الذين
تثور ثائرتهم لمجرد
شجار الصّغار ..
وكيف انّ لهم أن ينسوا
مواقف الأمس القريب
في تعاطفهم وتآزرهم
بإزاء الموت المتربص
كنت أنظر في وجه الصبيّ
الذي تخطّف الموت أباه
وأحاول أن أفهم
كلّ هذا الحزن الذي طبع ملامحه
وصبره وجلده حيث لم تبتلّ عيناه ..
أعياني التفكير ولم أجد من تفسير
ولكنها فلسفة حياة في المناجم
ان تجد كلّ هذا التعلق بالحياة
وفي نفس الوقت ازدراء الموت
رغم رهبته وهوله
كان ذلك الصبيّ قد تشبع
رغم صغره بهذه الدروس المستقاة
من رحم المعاناة ..
ومن بذخ حياة مدينة المناجم ..
كان هناك نواميس لا تجد لها تفسيرا
كان هناك من يحفظ القرءان
عن ظهر قلب ويرتله ترتيلا ..
ولكن ذلك لا يجعله يستنكف
عن معاقرة الخمر ..
كانت تلك الجلسات
وسط حدائق يستعد لها
وكان لها أيامها
وهي نهاية الأسبوع
عشيّة السبت وحتى يوم الاحد
كان البعض يحبّذ
الشرب في الحانات
والبعض الآخر ضمن مجموعات
في حدائق غناء ..
وكان هؤلاء يلتقون جميعا
على حبّ سماع كوكب الشرق
وكان العابرون يسمعون
صوتها المجلجل يصدح
بأطيب الالحان ...
هكذا كانت سيرة الأيام
في حياة المنجميّ
معاناة وترف
قد تتعانق فيه الأضداد
فلا هو الإيمان بمطلق الحياة
ولا هو الوجل والخوف من الموت..
فكلّ يوم تشرق فيه الشمس
هو إضافة في عمر ما نختزنه
من صور ستكون ذكرى..
بقلمي / رؤوف بن سالمة

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق