"نوافذ مهشمة"
اااه! لو تدرين كم تألمت حين رأيت وجهك الجميل متسربلا بالدماء وأنت تئنين!، وسمعت صرخة أمي ،وهي تسقط على الإسفلت.. بعد أن طارت ذراعها في الهواء لترتطم بصندوق الدجاج المذبوح.
ماذا جنينا يومها يا توأم روحي ،غير أن اختلطت دماؤنا وأشلاؤنا مع لحم الدجاج المتناثر حولنا!
لقد تجمع الناس من حولنا في محاولة يائسة لإنقاذنا
لكن إبطاء الحماية المدنية وسيارات الإسعاف في القدوم ،لم يمهلنا.
كم هي موحشة هذه الغرفة الكئيبة من غيرك يا أمي!
وكم هي ضيقة اليوم، وقد افتقدت ضحكاتك وصخبك المحبب إلى قلبي يا شيماء!
محفظتك لا تزال بجانب طاولة "البلاستيك"التي كانت سفرة للأكل ومكتبا لمراجعة الدروس ليلا.
ميدعتك الزرقاء التي رقصت فرحا حين وجدتها جديدة في كيس الملابس هذا المهمل بركنك المفضل من غرفتنا.
يومها قدمته لك ربة المنزل، الذي كنت خادمة فيه طوال أيام العطلة الصيفية.. لا تزال معلقة كما تركتها بجانب النافذة ذات الزجاج الأصفر المكسور.
نافذتك الصغيرة هذه التي كنت تنظرين من ورائها إلى الأفق الممتد وأنت تحضنين بين جوانحك حلما بأن تصبحي يوما مهندسة مثلي.
مهندسة!يا لغرابة هذه الكلمة !
أنا يا أخيتي مهندس مع وقف التنفيذ.
لم يدر بخلدي، وأنا أجتهد وأتفوق من عام إلى آخر،أن شهادة تخرجي ستبقى رهينة إطار أهديتنيه يومها ليكون بروازا لثمرة تعب وتضحيات أمنا..التي انحنت قامتها الفارعة متنقلة بين الحقول والضيعات، تعمل بصبر، وتتجلل بوقار صمت أشد وطأة من فقرنا المدقع.وهي لا تنفك عن القول :"سيعود أبوكما من فرنسا،وإن طالت غيبته وسأرتاح من كل هذا الشقاء."
أبونا؟
أنا أتذكر ملامحه جيدا.. لقد غادرنا وأنت طفلة لم تكمل بعد عامها الأول.كان دائم التجهم، وكأنه يحمل على عاتقه كل هموم الدنيا.وقد اكتشفت الآن أنه فر من جحيم فقره، وأنه لم يهرب منا كما كنت أظن.
وأنا ألم اهرب مثله؟!..
أنا فعلا كنت أهرب إلى معاقرة الخمرة احتجاجا على معاناتي،ولولا إصرار أمي وتوسلاتها لبقيت ضائعا ومعذبا،ولكان مصيري بشعا.
ترى هل كان سيكون أبشع من ذلك الحادث.. الذي تعرضتما إليه ذات صباح، وأنتما محشورتان مع أكثر من أربعين عاملا وعاملة بصندوق سيارة فلاحية!
سيارة يجمعنا سائقها كل فجر،متراصين على متنها كسميكات علب السردين المعلب.
كان يوزعنا على الفلاحين عند مفترق مسارب ضيقة.
كما لو كنا ورقات يانصيب رابحة ستريحهم من هم جني محاصيلهم.
يومها كنا مجرد أرقام بسجلات الجرحى والموتى، ولم يسعفنا القدر لنعود إلى بيتنا مبتسمين رغم التعب.
وأنا أستعيد مشهد موتكما ،لم أعد أشعر بالدم الساخن المتدفق من رأسي.فقد توقف نبض قلبي.
منى أحمد البريكي /تونس

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق