الخميس، 2 أبريل 2020

قصة قصيرة بعنوان ( الاحتمالات المخيفة ) بقلم الكاتب / رمضان العلالقة


من المجموعة القصصية
( ضجيج الصمت )
بقلم / رمضان العلالقة
**************
 المقدمة
***************
لا تأتي الأشجار ثمارها حتى تُكمل نموها  ،و تكسو الزهور فروعها فتطرح ثمارا ، و لا تؤكل الثمار إلا بعد نضوجِها٠ 
كذلك الأُسر لا تبنى على أسس رخوى ٠
( المؤلف )
الاحتمالات المخيفة
قصة قصيرة
~~~~~~~
مراهقة لا تدرك من الأحلام إلا زيفها شأنها شأن كل مراهقة تنحصر أحلامها في زوج يحتويها ، و أسرة تدير شئونها ، على هذا قبلت الارتباط و أن تعيش في كنفه ، بعد أن وضِع نُصب عينيها كخيار وحيد لا بديل له ٠
ما كانت تعلم أحلامها رفيقة عمرها ، تكبر معها غير مدركة التطورات الهائلة - و التغير السايكولجي حتمي - و يحدث وفقا لطبيعة التكوين البشري ، و أن الرؤى تتبدل بتغير الأحداث في حياة الإنسان ٠
استمرت في كنفه لسنوات حتى أنجبت طفلها الأول ، و أخذت تقلبها الأيام بين كفي الاستقرار النسبي تارة ، و الخلافات الشاقة تارة أخرى ٠
و في كل مرة تزداد وتيرة الخلافات و حدتها ، و الهوة يتزايد اتساعها حتى أدي ذلك إلى الانفصال المؤسف ، فتركته مصطحبة طفلها الصغير و أخر حُشر في أحشائها عائدة إلى أهلها ٠
لقد فقدت أحلامها الزائفة معلولة بتجربة يائسة بعد تغيرات فسيولوجية نجم عنها عواقب وخيمة جذرية و هائلة لم تكن بحسبانها فغيرت مجرى حياتها إلى حيث لا تعلم ٠
اختارت أن تواصل رحلة حياتها مع والديها متناسية مشاعرها ، أو ربما جمدتها في أعماقها البعيدة ، و لا يثير انتباهها إلا طفلاها الصغيران بعد أن أفرج القدر عما بأحشائها ، فانكبت عليهما ؛ لتشملهما برعايتها ، و توليهما كل اهتماماتها ٠
بعد سنوات مرت تجاهلت - خلالها - أنوثتها لا يبقى منها إلا ملامح النساء ، وضعها القدر أمام رجل تعرف عليها ، و أُعجب بها كثيرا ، فاستطاع أن يفك شفرة خيوط البؤس المرسوم على وجهها ، و أن يقرأ ما تخفيه خلف يأسها ٠
كان يتسم ببراعة الإحتواء ، و بلاغة القول ، و يعلم كيف يعبر عما يجول بداخله ٠
ظلا يلتقيان بين الحين و الأخر ، و في كل مرة يلاطفها بعبارات بليغة و مقنعة شعرت بصدق و دفء مشاعره ، فظلت تتنامى اللهفة بينهما رويدا رويدا حتى استيقظت أحاسيسها المجمدة بداخلها،  و انسابت كالأمواج التي تحركها الأعاصير العاتية ، حتى صارت حبا كبيرا كان يفتقده كلاهما ، فأحبته بكل جوارحها و حرمانها المستعصي ٠
تعانقت أرواحهما و حلقتا معا في رحاب الصفاء و التأمل ، تتبادلان أهازيج الهوى على أيكة الاشتياق ، تسود الوحشة الجنونية كل لقاء ، فكلما كان الأمل بعيدا كانت حرارة اللقاء محرقة مضنية ، فيصارعان الأغتراب و فروق المسافات الطويلة بشراسة شديدة٠ 
لقد تمكن من أعادتها إلى أنوثتها المفقودة ، و هي أيضا كانت لها القدرة أن تسترد إليه أمل البقاء ، و أحلامه التي سقطت من فوهة الأيام التي لا ترحم عجلاتها ، و لا تبقى على ما تشتهيه الأرواح ٠
و بعد أن حلق حبهما و تجاوز مدى أفاقهما ، ظهر على غير المتوقع طليقها ؛ ليستعيدها ؛ و ليجمع شمل أسرته المشتتة ، فسلك كل مسلك يؤدي به إلى غايته ، و لا يعلم أن الأيام تدور بحدة ، و لا تبقي شيئا على ما كان عليه ، فاستعان بكل من هم حولها ، فهم من جعلوا منه حلا لا بديل له من قبل ، فوقعت تحت ضغوطات هائلة قاموتها بكل ما لديها من سبل المراوغة معتصمة بحبها الذي أحسته لأول مرة ، و توغل بأعماقها ، فلم يتمكنوا من أقناعها بشيء بعد أن زينوا لها بعض الاحتمالات ، و وضعوا العراقيل و العوائق على الأخرى ؛ ليقنعوها بضرورة العودة لطليقها ؛ ليساهم في بناء الأسرة ٠
فالطرق مسدودة أمامها ، و ما بها هو مضيعة لأيام عمرها ، و في نهاية المطاف عائدة لأسرتها لا محالة ٠
فشل الصراع الضاري بينها و بين من زعموا قدرة التأثير عليها لجرجرتها مرة أخرى مغلولة بأغلال العادات التي لا تؤمن إلا بأحكامها الجافة شديدة الصرامة ، فهى امرأة متمردة بطبيعتها ، و قد تمردت عليه كما تمردت على ذاتها من قبل ٠
لم يكن أمامهم إلا إقناع صديقة طفولتها التي تحبها ، و تثق بها ثقة غير محدودة ، و تعلم عنها أدق تفاصيل حياتها ، و أعجبت كثيرا بتجربتها مع ذاك الرجل الذي أنتقل بها إلى أفاق أوسع ، و ساندتها ؛ كي تواصل تحقيق أمنياتها ٠
و بعد محاولات تمكنوا من إقناع الصديقة بشتى الحجج ؛ لتثنيها عن حبها الضال بين احتمالات المجهول ، و الذي شعرت به و تعايشت معه لفترة طويلة ، و كان لها الحقيقة المؤلمة التي أعادت إليها توازنها و أنوثتها ، و أحساس لم تعرفه من قبل ٠
و أخيرا أقنعتها أن حبها محكوم عليه بالفشل عاجلا أم أجلا ، و أمل تتويجه ضئيل للغاية ، و سيظل عالقا على أكتاف الرجاء - و الحياة لا بد لها أن تستمر - فهذا الرجل مثقل بالأعباء ، و يحتاج لوقت حتى يسنح له تحقيق ما يصبو إليه - بحسب ما أفصح لها و ما ذكرت هي لها - ٠
هكذا أقنعتها تلك الصديقة التي كانت تعلمها جيدا ، و تراقب كل انفعالاتها ، و باركتها من قبل ، و الٱن تراجعت عنها معتقدة أنها ترجح مصلحتها ، و هي العدول عما هي عليه و العودة إلى بيتها و طليقها ٠
و ما تسعى إليه هو احتمال مخيف و وهم المستحيل ، الذي لا يتناسب و لا يتماشى مع حقيقة الواقع ٠
لقد وقعت الصديقة أيضا أسيرة أراء من زجوا بها ؛ لتتحمل أعباء مهمتها ممن دفعوها لممارسة شتى سبل الترغيب ، و وسائل الضغط النفسي ؛ كي تثني صديقتها البائسة عما استقرت عليه مشاعرها ٠
أسقطت ، فحطمت عاطفتها البريئة المرهفة على شدة إصرارها ، و التي هي على علم بها لتحقيق ما أوهموها به ، و لم تعي أنها تدفع بصديقتها إلى مقصلة لبتر كل ما تمنته ، و وأد الأمل الذي أشرق في أفاق وجدانها ، فجعلتها محاصرة بخيبة الأمل منساقة إلى احتمالات مخيفة و أشد قتامة ٠
تحت هذا الضغط العنيف قررت المرأة أن تعود مع صديقتها إلي الماضي ؛ لتحاول الكرة من جديد غير واعية للأثار المترتبة على قرارها المفاجيء ، و أنه أيضا احتمال مخيف ٠
كانت الغلبة للصديقة التي تمكنت من تجريدها من رداء عاطفتها التي تمخضت عن تجربة أنعشت حواسها تحت تأثيرات شديدة القسوة ، و أنها لا بد أن تتخلص من أوجاعها ، و أعباء أشجانها ، و عليها أن تتفرغ لمحاولة ترميم ما أفسدته الأيام ٠
تخلت عما بين جوانحها ، مما جعلها تُجهز على حبها معصوبة الأعين ، فسددت له طعنة قاصمة مقتنعة بما فعلت ، و استدارت بوجهها إلى احتمال أخر ربما شعرت أنه أقل خوفا تاركة وراء ظهرها حبها يتخبط في دمائه ليلفظ أنفاسه الأخيرة وحيدا ٠
ما كانت تعلم أن الأيام تُخفي في جُعبتها الكثير ، و أن الحب حي لا يموت كما بدا لها ، و ما هى إلا أيام مرت تغمرها عفوية غفواتها التي زُجت بها ممن حولها ، و الثقة بصديقتها التي سلمت لها مفاتيح إرادتها ؛ لتنتشلها من الضياع في ذاك الاحتمال المخيف الذي كانت تسعى إليه غير مدركة أبعاده كما قيل لها ٠
هكذا أوهمت - و لاسيما من صديقة طفولتها - فوقعت تحت طائلة اليأس المُقّنِع بعد أن تذكرت أن الحب الذي زلزل وجدانها و قلب حياتها رأسا على عقب قد أصابه سهام التقيد ، كسابقاتها من العاشقات اللواتي تعبدن عشقهن في معابد العاشقات الوالهات قديما ٠
عادت لتجربتها التي فشلت من قبل مُجبرة يرافقها أمل الاستقرار بعد أن ضربت حبها الذي يسري بين أوردتها بقسوة ، و تبددت أشلاء أمنياتها زاعمة أنها قد تخلصت منه ؛ حتى لا يزعجها و لا يؤرق اختيارها المكرر ٠
نتجت تجربتها الأولى عن انفعالات وهمية تتفق مع طبيعة المرحلة ، و ما عاشته هو الألفة و دفء الأسرة ، و هو حلم كل مراهقة لم تنضج عاطفتها
، فما كانت تعلم كيف تتحرك العاطفة ؛ لتصبو لمن أثارها و أقنعها و حقيقة انفعالاتها ، و ما تتركه من انعكاسات مؤلمة ٠
عادت متجاهلة ما فعلت - و لكن هيهات - مازال حبها يتنفس في فراغات فؤادها على استحياء ، متسترا في خوفها و قيود إرادتها المسلوبة بما أوهمت به ، فما زال حيا ينبض على غير إرادة الجميع ٠
و مع أول صدمة تلاشت أوهامها التي حُصرت بها ، و انتفض من بين ضلوعها خصما عنيدا يثأر لما فعلت به ؛ و ليفرض عليها عقاب الحسرة و الندم أفاقها من غفوتها الثقيلة وحيدة فارغة بعيدة عن حبها الوحيد الضائع في غياهب الأيام ٠
أيقنت أنها في عمق كهوف الخوف الملبدة بالغيوم القاتمة ، و أن ما فعلته كان خطأ كبيرا لا يمكن تصحيحه ، فدفع الحنين و الوحدة القاتلة الدموع في عينيها ؛ لتنهال بغزارة شديدة كأنها تشتهي البكاء منذ زمن بعيد ٠
أخذ رأسها يموج بالتفكير في الماضي الذي تفجر كحمم البراكين ؛ ليعبث بكل تفاصيلها ، و يصيب كل ما يلحق به بالضرر البالغ متذكرة حبيبا كان يملأ هوة فراغاتها الشاسعة ٠
لقد أحبها حبا جما ، و منحها روحه و قلبه ، و كان يخشى اختياراتها ، و يتحسب عاقبتها ، و يراها المرأة التي لطالما حلم بها ، و كانت له الوسيلة التي يستمد منها البقاء و الشمس التي تحنو عليه كل صباح ؛ لتبعث بدفئها و نورها ، و تبدد ظلام ليله الطويل ٠
تركته و أحلامه كالجسد البالي يعتريه شعور الفقد ، و اليأس يطارد كل أمل يبزغ أمام عينيه ، فصارت أجزاؤه رهينة الخوف و الألم الضارب بشتى أعماقه ، فكان عليه أن يرحل مستسلما للقدر الذي فرض عليه احتمالاته العديدة ، و التي لم يختر إحداها ، فأدركت أنها ارتكبت جرما لا يمكن غفرانه ٠
~~~~~~~ تمت بحمد الله ~~~~~~~
الاحتمالات المخيفة
قصة قصيرة
بقلمي / رمضان العلالقة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مجلة وجدانيات الادبية (( نبقى أوفياء )) للشاعر حسان ألأمين

نبقى أوفياء مشينا دروب الوفاء و لم ينهكنا التعب و مهما قالوا عنا لا يهمنا من لامنا او عتب كم من حكمة في الوفاء قيلت و كم من الأمثال فيها ضُر...