صراخ الليل......
كانت غرفتي بالطابق الأرضي تحت غرفة جيراننا الساكنين بالطابق الثاني من البيت كان هنالك فتاة بعمري وهي مريضة عقلياً اسمعُ طوال الليل صوت نقل اقدامها داخل الغرفة ، كانت غرفتها فارغة حسب قول اهلها لاتحتوي على شيء سوى فراش تنامُ عليه ، ينتابني الخوف بين كل لحظة يُشعرني اَنينها المتواصلِ طوالَ الليل بقلق وأرق شديدين وأغلب الاحيان كان واضحاً خبطُ رأسها بالأرض والخوف يرعش بدني ، لا أضنها تنام ابداً حتى أني حفِظتُ حركاتها واعتدتُ على ضوضائها......
حتى اتت ليلة لم اسمع منها اي صوت ،كانت تلك أطول ليلةٍ بالنسبةِ لي صِرتُ افتقدها ، ولما سألت عنها في الصباح التالي أخبروني انها مرضت في المساء ونقلوها الى المشفى والآن هي بحال افضل لا أعلم لما عدت مسرعا إلى غرفتي انتظرُ منها ان تصدرَ اي صوتْ....
لا زالت في صمت عميق وذلك يقلِقني اكثر من صراخها ، اصبحتُ مدمن على صوتهِا وخطواتها ، كانت دائماً تصيبني بالحيرة لِمَ تصدر هذه الاصوات !!
لِمَ هي غاضبة الى هذه الدرجة !!
مالذي يغضبها ؟
ماذا ترى كي يثير حفيظتها وتثيرُ في داخلهِا هذا الرعب ؟
وبما تفكر حتى تخبطُ راسها بهذه القوة ،
هل هي مذنبة أم أنها ارتكبت جريمة لاتغتفر ، هل ترى ما لا يراه غيرها ، أم أن في داخلها شيء يريد ان يخرج منها ، روحهُا في جسدهِا اشبه بالسجين البريء يحاول ان يحطم جدران السجن ويخرج ، انهُا حقاً مناضلة من اجل الحرية ان كانت كذلك لا أعلم لماذا لاتستقر في مكان واحد ،
وضعت نفسي على السرير وصوبت تركيزي كله نحو الصوت الصادر منها حتى صرت اسمع انفاسها المتقطعة المندفعة من انفها على الارض كأنها زفير بقرة متعبة ، بقيت على هذه الحال حتى ايقظني من نومي صراخها عند الرابعة فجراً ، لقد اصبت بالذعر كانت هذه المرة مختلفة عن جميع المرات لم اعهد لها صراخ كهذا من قبل ، كانت اشبه بصراخ من يحرق نصف جسدهِ حياً ، لم يكن لي الا أن اصرخُ معها من شدةِ عجزي ، عندما سمعتني هدأت قليلاً وسكتت ،
فسكتُ انا بدوري ايضاً صرتُ اسمع صوتَ خطواتهِا و ارتطامهِا بالارضِ هَزها هزاً
فعادت للصراخ مجدداً وبصوت اعلى من المرة السابقة ، اختلجني شعور بأني اذا صرختُ معها ستعاود الكرةَ مع الارضِ ، كان صراخهُا يحزنني اكثر مما يزعجني ، كسرت حاجز الخوف الذي في داخلي وصرت اصرخ معها هدأت قليلاً وبدأت تأن بصوت يملأه الحزنُ والتعب لقد كانت تخبئُ في داخلها من الألمِ اكثر من اي الم قد يحصل لمخلوق ، لقد كانت وحيدة في عالمها الخاص غريبة في عالمنا لا اهل معها ولاخل ولاحبيب ،لا احد يفهم ماتريد انها تحس بالعجز المطلق ، كانت تتأوه بصوت عميق مترددة تشبه شكوى المتوجعة ، وضلت تأن وائْن معها فاذا سكتت ضربت الارض ، وكأنها قالت اخيراً وجدت شخصاً مثلي ، وفي النهار التالي لم تصرخ ابدا حتى علمتُ من اهلها انها كانت نائمة طِوالَ النهارِ ولكن لسوء حظي ان امي كانت تسمعني طِوالَ الليلِ واخوتي واختي الصغيرة ينظرون الي بطريقةٍ مختلفةٍ هذا اليوم وأتى المساء فعدت لغرفتي وعدنا لنفس مافعلناه في الليلةِ السابقة وعند الصباح تعجبتُ من منظر الطعام الذي دسوه لي اهلي من تحت الباب فحاولت ان افتح الباب لكنه مغلق باحكام وكانت امي خلف الباب تبكي وتُخبرَني ان لا اقلق فهي ستعالجُني في اقرب وقت ، ومازاد صُراخي وضربي للبابِ الا يقيناً لأمي وأهلي بأني اصبحت مثل ابنة الجيران
عندها علِمتُ ماكانَت تشعرُ بهِ لقد كانت منبوذة والأن انا منبوذ...
محمدالعبيدي قصة قصيرة

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق