"موت في اعتقال حضر صحي "
رؤى وأحلام ليلية :
داخل المكان تموت ذبابة بالغازات ملطخة بتقيئات السعال ...
وجهان لوجه ...
يتبخر الاول في الريح، ويتدفق الثاني شفافا رقيقا... عرق كالماء ، وعرق أصفر مخلوط بقطرات دم ... يتصبب العرق ويغطي وجهه الثاني ، ويبقى الوجه الاول علامة فراغ ... ثياب مبللة ... صفير تنفسات واستنشاقات ... أنوار تتلألأ ترتعش... حجارة واسمنت وفلاذ واخشاب وسلاسل وابواب موصدة ... يتبلل الوجه والقميص والبنطلون والحذاء ويعطش الموبوء ... ويغرق في العرق ...
تذكر ماضيه صولاته وجولاته في الدراسات والسيمينارات الاوروبية وكاد يتقيأ أمعاءه ... الرعب الغازات الخانقة . تنتفخ الرؤوس ويصّاعد الغضب، ولا شيء بعد الغضب ، ... المكان ضيق... ضيق ...
حجارة واسمنت وفلاذ واخشاب هرمة وسلاسل ...
يشعر بحركة داخل الجمجمة وفكّر مليا ولاول مرة ...
ما قدمت له بلاده ؟.
رآهم كأعجاز نخل تسّاقط في عاصفة رملية ، وانكشفت عوراتهم في عز الظهيرة ، وعلت أصواتهم وتكاثرت كحكحاتهم وسالت دماؤهم وتناهشوا ، ولفظته غشائرهم.... هذه يدي أحملها فتحملني ، فاناديهم فلا مجيب واعود اليك متعبا أمضي وفي اذني اصواتهم ذلك مكورن ... موبوء
وفي مرايا الذات كنت انت انت السنابل والتربة والمنازل البيضاء والجبال والبحار والمحار ... انت القمح والتمر والفقراء والعلم الاحمر والهلال والنجمة
قتلوك تركوك تموت لاجل ما لايستحق الحياة قتلوك ... هذه الجمجمة كم حملت أفكار الطفولة ... الجبل وابوك و امك والحقول والجفاف وضجيج المدينة والبحر والبترول والغاز والطاقة والمبادرات والدراسات والاصلاحات والاقترحات القيمة والانجازات بصماتك بكامل الجمهورية وخارجها كم ثمنت وقتك لاجل المصلحة كم جاهدت وكم خاطرت من اجل الكل تركوك تموت تنكروا لك
هذا القفص الصدري احتضن قلبا تحلل واكله الدود ... احزان وايام وليال وفرح طفولي سرعان ما ظهر واختفى في ليل حياتك البهيم خوف وكراهية وحقد أخذت تبرعم لولا الموت وجهان في وجه .
تلتهم الديدان الاول ويهمد الثاني ويجهش الموبوء لاول مرة بالبكاء وسرعان ما استعاد الضحك واهتز جسده وصاح صيحة دوى لها المكان فهرع له موبوء اخر وحاول انقاذه ... الا انه تحول في لحظات الى كدس من اللحم والدم والقيح والقيء .... وصاح موبوء اخر فزعا ، واتسع المكان ، واتسع فاختفت الابواب والجدران والسقف ... وانبثق البحر هادئا ، وتمددت أمواجه فرحا ، وهب نسيم سرعان ما اشتد الى أن أصبح ريحا فأرعدت السماء ، وهاج البحر وضاق المكان ... ضاق ... وعادت للمكان حيطانه وابوابه وسقفه ...
فتحوا الباب صباحا فوجدوه مورّم العينين من اثر البكاء
وانهالت على جميعنا ضرباتهم ...
واخذ الموبوء المجاور للذي اندثر دفعوه ارضا
- هل تعرفه من قبل ؟ ....
-.... تيت ..... تيت ....
-كيف هرب من الحضر ؟
-لم يهرب . استيقضت باكرا فلم أجده ... أظن أنه قد مات ...
وقهقه السيد بصوته الانثوي ...
-مات ؟! واين جثته ؟
-تلك القذارة ...
حملوها الى المخبر قصد التحليل ، وسلط عليها الباحثون مجاهرهم ... فهرعوا الى قواريرهم المملوءة مواد كمياوية
وكرّروا التجربة ... انزعجوا لمّا رأوا ملايين الحيوانات المجهرية تخرج من بيضاتها وتتدافع في اتجاه واحد ... وأيقظوا أستاذهم الاول في ساعة متأخرة من الليل .
كان يئن بين أحضان كاتبته الخاصة الجميلة عندما رنّ جرس الهاتف يمزق صمت المكان ... تنحى عنها بجسده المرتهل ،
ويده اليسرى لاتفارق ثديها المكتنز شهوة ...
_من بالهاتف ؟...
_نريدك الآن يا أستاذ فالأمر جدُّ أكيد .
ركب سيارته اليهم وهو يسب العمل والعلم والعلماء وكاد يصطدم بشجرة في الطريق .... وعند دخوله المبنى ارتطم رأسه بالجدار الزجاجي لتعقيم المكان ، ونسي الباب لولا مساعدة الحراس والامنيين ... وجدهم يرتعدون فزعا ... ونظر الى الطاولة فانهلع لما رأى الحيوانات تكبر الى ان تصبح في حجم القطط ... فأطلق الاستاذ رجليه للريح ، وتبعه تلاميذه العلماء وغلقوا الابواب ، وعلا صياحهم ... وانتشر الخبر في المدينة انتشار مريع فايسبوكيا وكثرت البرتاج والمشاركة ... انفتحت أبواب المنازل من الحضر الصحي ، واندفع سيل جارف من المتظاهرين تجمهروا أمام الثكنات والقصور الملكية وطلبوا النجدة .
بعد ليلة اندفعت ملايين الحيوانات الغريبة الى ازقة المدينة وشوارعها فحطمت الابواب والنوافذ وبقرت البطون وشربت الدماء ، وامتصت الامخاخ ومات خلق كثير.... وفي الليلة الموالية انتفخت بطونها شبعا ، فتمددت على الارض في استرخاء ، وحولها رؤوس اطفال متناثرة وتقيآت سائلا اسود ثم لفظت أنفاسها ...
واللية الاخرى صاح موبوء اني اختنق أريد الحياة ...
وبعث الذي اندثر من بين الاموات ... فاتسع المكان ... اتسع فاختفت مباني المدينة وضجيجها وروأئحها وألوانها ... ثم ضاق المكان فاسترجعت المدينة عماراتها وسياراتها ومزابلها... وضاق حتى عادت معتقل الحضر الصحي وعاد المندثر وصديقه .
وعند الفجر فتحوا الباب فدخل الامنيون دون كمامات وقفزات فوجدوه ممددا على الاسفلت يئن من وجع الرأس سألوه : أين كنت ؟ وانهالوا عليه ضربا بالمتراك
وفي الليلة الاخيرة سأل الموبوء صديقه عن سر الاختفاء فلم يجبه وراح يبحث عن ضحكة ينقذ بها الموقف ولكن خانته الضحكة هذه المرة . وقال له شد دارك.
محمد طه العمامي

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق