درب التبّانة ~
جلس على خاصرة الهضبة في طرف قرية التحفت ظلمة المساء باكرا على غير عادة أهل المدن، كان الطقس يشي بمساء صيفيّ فيه شيءٌ من حرارة، والنّسمات الباردة تلطّف الجوّ كلّما هبّت. التفت حوله فراعه المدى الممتدُّ أمام عينيه لا يرى منه غير رؤوس الأشجار تسبّح الخالق على ما حباها به من لطفٍ وخيرٍ عميمٍ. هزّ رأسه يرقب السّماءَ الصّافيةَ منذ أيّام، كأنّ الطبيعة تنذر النّاسَ بأيّام جفافٍ منتظرٍ، لمح في الفضاء نجوما كثيفة وملتفّة. سبّح الخالق للمشهد العجيب، النّجوم تضيء الفضاء بروعة وجمال خلاّب، استعاد وهو يراها وجه أمّه الرّائع الذي كان يراه قمرا يشعّ فتختفي كلّ النّجوم في سمائه. تذكّر كيف كانت توقظه ليلتحق بمدرسته صباحا، بابتسامة تنير وجهها ويسعد لها. فينهض خفيفا يملؤه الأمل والتفاؤل بأنّ الحياة ستكون جميلة مادامت أمّه تملأ حياته حبّا ودفئا. تلك المرأة التي تحمّلت مشاقّ الحياة من أجله وإخوته عام فقدوا والدَهم وعائلَهم. استطاعت أن تنير حياتهم فكانت القمرَ وهم نجوم حياتها، يحيطون بها ويسعدون متى حلّت بينهم بعد عملها المضني، كانت تنتظر المستقبل بقلبٍ واجفٍ، ملؤه الخوفُ والأملُ. كانت هذه الخواطرُ كلّها تدور بخاطره وهو يجلس حيث كان. ينظر إلى تلك النّجوم الكثيرة التي تحيط بقمرٍ اختفى نورُه في ليلة من ليالي الغياب الطّويلة. في تلك اللّحظات الهادئة رأى في النّجوم المتعرّجة نحو السّماء دربا يأخذه إليها، نجوم تلتفّ كأفعوان نحو السّماء. تنهّد طويلا وهو يرى النّجوم تتصاعد إلى السّماء تذكّره بالأرواح الّتي صعدت إليها، أرواح أولائك الذين رحلوا عن دنياه ابتداء من جدّيه مرورا بأبيه وصولا إلى تلك التي وهبته قلبها ذات ربيع وشاء القدر أن تصعد روحها إلى خالقها قبل أن يبنيا عشّا يحتضن سعادتهما. ما أقسى الحياة بعيدا عمّن نحبّ!! وما أبطأ الزّمن في ساعات الوحدة المريرة!!. جفّ حلقه وغشيته مرارة الفقد والحرمان، سنوات طويلة لم يفكّر يوما فيها أن يسترجع سعادته المفقودة، ولا أن يشرّع أبواب قلبه من جديد للعابرات في حياته. انقبضت نفسه وشعر كأنّ الهموم تنثال على قلبه انثيالا، ماذا لو ردّه الله إلى أرذل العمر ولم يجد من يقوم بشؤونه؟؟؟ لا أمّ له ولا أخت، فقط زوجة أخ منذ قدومها في صيف كئيب قضت فيه روحُه نحبها، كانت بينه وبينها غلالة لا يعرف إن كانت احتراما؟! أم نفورا؟! وهو العالة عليهم متى عاد من مدينة البين تلك التي غادر القرية إليها منذ سنوات طويلة كي يدفن بين شوارعها أحزانه العميقة. ولكنّها لم تستطع أن تنسيه ماضيه الأليم ولا حياته الخاوية، بل زادته غربة وحزنا، وحفرت في قلبه أخاديد دامية لم يجرؤ على النّظر إليها، أمّا تلك التي حفرتها في وجهه فهو يراها كلّ يوم في مرآة الحافلة العاكسة وهو يقودها ساعات طويلة بين شوارع المدينة الكئيبة.
عاودته كلّ تلك الذكريات وهو يجلس على الرّبوة ويرى نجوما لا تظهر في سماء المدينة المكبوتة بالمباني الشّاهقة، وأعادت له حنينا إلى سنوات الخصب والجمال والأمل. ملأ رئتيه بالهواء المنعش وابتسم بينه وبين نفسه وهو يستعيد تلك النّظرات التي رمته بها ابنة الجيران، تلك التي طالما لم يأبه لمحاولاتها التقرّب منه، وكان يتهرّب من النّظر في عينيها السّاحرتين الماكرتين، تانك العينان الزرقاوان كأمواج البحر الممتدّ على أطراف المدينة. لم يخفق قلبه لهما ولم يرقه لونهما ولكنّه وجد فيهما نظرة حبّ طالما افتقدها في غياب أحبابه.
~ فوزية عاشور ~
~ 27/03/2020 ~

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق